الساعة حديثًا يوحي مُجْمَله أن الكفر في إقبال، وأن الإسلام في إدبار، وأن الشر ينتصر، والخير ينهزم، وأن أهل المنكر غالبون، وأهل المعروف ودعاته مخذلون، ومعنى هذا: أن لا أمل في تغيير، ولا رجاء في إصلاح، وأننا ننتقل من سيئ إلى أسوأ، ومن الأسوأ إلى الأشد، فما من يوم يمضي إلاَّ والذي بعده شر منه، حتى تقوم الساعة، وهذا لا شك خطأ جسيم وسوء فهم، لما ورد من بعض النصوص الجزئية، وإغفال للمبشرات الكثيرة الناصعة القاطعة بأن المستقبل للإسلام، وأن هذا الدين سيظهره الله على كل الأديان ولو كره المشركون) [1] .
والاستخلاف الذي أشارت إليه هذه الآية يعني السيادة في الأرض، ولا يكون ذلك إلاَّ بتوافر صفات معينة، وهذه الصفات هي: الإيمان، والعمل الصالح، وعبادته سبحانه العبادة الحقة الخالية من الشرك، وهذه الجماعة أو الطائفة أو العصابة التي توافرت فيها هذه الصفات والمقومات، ستبقى تسود العالم ما بقيت متمسكة بأوامر الله عز وجل، ودون ذلك لا يتحقق لها هذا الاستخلاف، وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه ستكون طائفة من أمته متمسكة بأمر الله عز وجل، وسيكون لها الغلبة والسيادة، فعن معاوية - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس ) ) [2] .
قال ابن كثير وهو يسرد انتصارات المسلمين: (هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي أئمة الناس والولاة عليهم وبهم تصلح البلاد وتخضع لهم العباد وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنًا وحكمًا منهم، وقد فعله تبارك وتعالى وله الحمد والمنة، فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر وإسكندرية وهو المقوقس وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة الذي تملَّك بعد أصحمة(رحمه الله وأكرمه) ، ثم لما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق، فلَّمَ شعث ما وهي بعد موته - صلى الله عليه وسلم - وأخذ جزيرة العرب ومهدها وبعث جيوش الإسلام إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد - رضي الله عنه - ففتحوا طرفًا منها وقتلوا خلقًا من أهلها، وجيشًا آخر صحبة أبي عبيدة - رضي الله عنه - ومن اتبعه من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثًا صحبة عمرو بن العاص - رضي الله عنه - إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفهما من بلاد حوران وما والاها، وتوفاه الله عز وجل واختار له ما عنده من الكرامة، ومنَّ على أهل الإسلام بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق، فقام بالأمر بعده قيامًا تامًا لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيرته وكمال عدله، وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها وديار مصر إلى آخرها وأكثر إقليم فارس، وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته وقصر قيصر، وانتزع يده عن بلاد الشام وانحدر إلى القسطنطينية، وأنفق أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة، ثم لما كانت الدولة العثمانية امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت
(1) المبشرات: 30.
(2) صحيح مسلم: 7/ 75 - 76 برقم (1037) .