يقول الدكتور القرضاوي: (وهذا وعد من الله تعالى يبرز منه في كل زمن ما نشهده بأعيننا، وما نسمعه بآذاننا، وما نحسه بقلوبنا، ومن جملة ذلك ما نراه في عصرنا من دراسات من أهل العلم الطبيعي والرياضي لبيان أوجه جديدة للأعجاز العلمي في القرآن ومن بعض هذه الدراسات نظرات جيدة وعميقة اعترف بها عدد من غير المسلمين) [1] .
ولو تدبرنا هذه الآية المباركة لوجدنا أنها تحتوي على الوعد بظهور الدين متمثلة في الخضوع لقدرة مشرعها، والاعتراف بالحق الذي لا حق بعده، وأن الغلبة لهذا الدين والذي يكون في مجالين أساسين:
فالأول: المجال الكوني المتمثل في آفاق السموات والأرض من الأدلة العلمية التي تصدع القلوب بالإيمان، وتملؤها باليقين، ولا شك أن ما يتوصل إليه من دراسات الفضاء ومكونات الوجود في الأرض وما فوقها لهو مقدمة لهذا الدين بالعودة وتحقيق الوعد في سيادته على العالم.
والثاني: ينصب على المجال الإنساني، وذلك لا يتحقق إلاَّ بإفلاس كل الفلسفات والنظم والشرائع الناشئة عن الفكر البشري، والتقنين الوضعي، وهذا ما نراه اليوم من الإفلاس، وتوجه كثير من الناس اليوم إلى دين خالقهم ومولاهم، وأن دراسات الباحثين والمفكرين على اختلاف اتجاهاتهم وثقافاتهم تقطع بأن المستقبل لهذا الدين [2] .
ونتيجة لهذه الاكتشافات وموافقتها لما جاء في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فإن العشرات من العلماء الغربيين يدخلون الإسلام بين الحين والآخر، تحقيقًا لهذه الآية بأن منهج الله هو الحق، وهو السبيل إلى النجاة من طغيان الماديات على بني البشر.
14.قوله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا - هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا} [3] .
ففي هذه الآية إشارة متجددة لحصول النصر على مر الأزمنة، مهما كانت قوة الأعداء، فهو حق متجدد لهذه الأمة، ما بقوا متمسكين بأهداب الشريعة، ثم إن هذه الأمة أمانها وعافيتها بدينها ما إن تمسكت به، فكلما كانت معه سبحانه فلن يغلبها العدو ويقهرها ويقطع شأفتها فإن الله عز وجل تكفل ببقائها، وبقاء منهجها الحق الذي يؤوي إليه كل عاقل حصيف.
وبقاء البيت الحرام إلى يوم القيامة يؤمه المسلمون في أدائهم للحج والعمرة، وهما - أي الحج والعمرة - جزء من عبادتهم دليل هذه الآية على أن المستقبل لهذا الدين.
قال سيد قطب: (فوعد الله قد تحقق في الصورة السياسية الظاهرة قبل مضي قرن من الزمان بعد البعثة المحمدية،
(1) المبشرات: 30.
(2) هذا القرآن فأين منه المسلمون: 2/ 709 (بتصرف) .
(3) الفتح: 27 و 28.