ووعد الله ما يزال متحققًا في الصورة الموضوعية الثابتة، وما يزال هذا الدين ظاهرًا على الدين كله في حقيقته، بل إنه هو الدين الوحيد الباقي قادرًا على العمل، والقيادة في جميع الأحوال) [1] .
فقوله سبحانه: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} ، أي يغلب جميع الأديان ويعلوا عليها مهما كانت الأسباب والأحوال.
ويقول سيد قطب أيضًا: (وشهادة الله لهذا الدين، بأنه الهدى ودين الحق هي الشهادة، وهي كلمة الفصل التي ليس بعدها زيادة، ولقد تمت إرادة الله فظهر هذا الدين على الدين كله، ظهر في ذاته كدين، فما يثبت له دين آخر في حقيقته وفي طبيعته، فأما الديانات الوثنية، فليست في شيء في هذا المجال، وأما الديانات الكتابية، فهذا الدين خاتمها، وهو الصورة الأخيرة الكاملة الشاملة منها، وهو الصورة العليا الصالحة إلى نهاية الزمان، وثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:(( إنَّ اللهَ زَوَى ليَ الأرْضَ مَشَارِقِهَا وَمَغَارِبهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أمَتي مَا زَوَى ليَ مِنْهَا ) ) [2] [3] .
15.قوله تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهم وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [4] .
فهذه آية تحدي قد تحدى الله عز وجل بها أعداء الإسلام على مختلف أشكالهم وألوانهم وقوة عداوتهم، فهم في مأزق كلما اصطدموا بصخرة الإسلام.
وقد استعرض سيد قطب (رحمه الله) الحملات العدائية التي قام بها أعداء الإسلام منذ ظهروه وإلى الآن، حيث قال: (ولقد وقف بنو إسرائيل في وجه هذا الدين الجديد وقفة العداء والكيد والتضليل، وحاربوه بشتى الوسائل والطرق حربًا شعواء لم تضع أوزارها حتى اليوم، حاربوه بالاتهام: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبيِّنَاتِ قَالُوْا هذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} كما قال الذين لا يعرفون الكتاب ولا يعرفون البشارة بالدين الجديد، وحاربوه بالدس والوقيعة داخل المعسكر الإسلامي، للإيقاع بين المهاجرين والأنصار في المدينة، وبين الأوس والخزرج من الأنصار، وحاربوه بالتآمر مع المنافقين تارة ومع المشركين تارة أخرى، وحاربوه بالانضمام إلى معسكرات المهاجمين كما وقع في غزوة الأحزاب، وحاربوه بالإشاعات الباطلة كما جرى في حديث الإفك على يد عبد الله بن أبي ابن سلول، ثم جرى في فتنة عثمان على يد عدو الله عبد الله بن سبأ، وحاربوه بالأكاذيب والإسرائيليات التي دسوها في الحديث وفي السيرة وفي التفسير - حين عجزوا عن الوضع والكذب في القرآن الكريم، ولم تضع الحرب أوزارها لحظة واحدة حتى اللحظة الحاضرة، فقد دأبت الصهيونية العالمية والصليبية العالمية على الكيد للإسلام، وظلتا تَغِيرانَ عليه أو تؤلبان عليه في غير وناة ولا هدنة في جيل من الأجيال، حاربوه في الحروب الصليبية في المشرق، وحاربوه في الأندلس في المغرب، وحاربوه في الوسط في دولة الخلافة الأخيرة حربًا شعواء حتى مزقوها وقسموا تركة ما كانوا يسمونه(الرجل المريض) ..
(1) ينظر: الظلال: 7/ 512.
(2) صحيح مسلم: 4/ 2215 برقم (2889) ، سنن أبي داود: 2/ 499 برقم (4252) ، سنن الترمذي: 4/ 472 برقم (2176) ، مسند أحمد: 4/ 123 برقم (17156) وغيرهم.
(3) ينظر: الظلال: 8/ 85.
(4) الصف: 8