وقال القرضاوي: (وكلمة(( مَنْ ) )في الحديث تشمل (المفرد) ، كما قالوا عن عمر بن عبد العزيز، والشافعي، والغزالي، كما تشمل الجمع، كما ذهب إليه بعض الشرَّاح، وهو ما نختاره، فقد يكون المجدد جماعة دعوية أو تربوية أو جهادية) [1] .
ولو تتبعنا التاريخ لوجدنا أن الله عز وجل قد جدد هذا الدين بكثير ممن ظهروا، سواء أكانوا علماء أم فقهاء أم قادة أم دعاة أم مصلحين، وجدده أيضًا بجماعات إسلامية كثيرة ظهرت على مر الدهور وكر العصور، حملت هذا الدين ونافحت عنه حتى سقط الكثير من أتباعها شهداء في سبيل الله وهم ينافحون عن بيضة الإسلام.
6.عن نافع بن عتبة أَنَّ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: (( تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ، فَيَفْتَحَهَا اللهُ، ثُمَّ فَارِسَ، فَيَفْتَحَهَا اللهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ، فَيَفْتَحَهَا اللهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَالَ، فَيَفْتَحَهُ اللهُ ) )، قال نافع: يا جابر: لا نرى الدجال يخرج حتى تُفتح الروم [2] .
فهذا التتابع في الغزوات ابتداءً من غزوة جزيرة العرب، وحتى ظهور الدجال وقتله، لدليل لا يقبل الشك عن بقاء الإسلام حيًا لن يموت حتى وإن أصابه ضعف ووهن ولاواء، وأنه سيبقى في عطاء متجدد رغم كل العاديات والصواعق.
وإني لأجزم أن الأعداء أدركوا ذلك ومنذ قيام الإسلام، وقد ملئت عقولهم حنقًا وحقدًا عليه، فهم مشغولون بتدميره سرًا وجهرًا وعلى مختلف الأصعدة فكريًا وعسكريًا وأخلاقيًا، ولكنهم - بحمد الله ومنّه - لم يبلغوا ولن يبلغوا هدفهم مهما حاولوا، فهم في كل مرة يغيرون عليه بوسائل جديدة أكثر تفننًا وفتكًا وقوة، فتخيب آمالهم ومكائدهم وخططهم رغم ما يلحقونه بالمسلمين من أذى وهلاك، ولكنه أذىً وقتيًا وسرعان ما يشتد عودهم من جديد وتظهر صحوتهم، وهكذا يستمر الكر والفر حتى يأتي وعد الله وهم صاغرون مخذولون مغلوبون، كيف لا وهذا دينه سبحانه، فهو الذي يهيئ لانتصاره أسباب النصر والفوز.
7.عن تميم الداري - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ - يعني أَمْرَ الإسْلامِ - مَا بَلَغَ الليلُ والنَّهَارُ وَلا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إلاَّ أَدْخَلَهُ اللهُ هَذّا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ، أَوْ بِذِلِ ذَلِيلٍ، عِزًِّا يَعُزُّ اللهُ بِهِ الإسْلامَ، وَذِلًا يَذُلُ اللهٌ بِهِ الْكُفْرَ ) )، وفي رواية المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( لا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إلاَّ أَدْخَلَهُ اللهُ كَلِمَةَ الإسْلامِ بِعِزِّ عَزِيزٍ، أَوْ بِذِلِ ذَلِيلٍ ) ) [3] ، ومعنى بلوغه ما بلغ الليل والنهار: انتشاره في الأرض كلها، حيث يبلغ الليل والنهار، ودخول هذا الدين الحواضر والبوادي، وإنما ذكر المدر- أي من الحجر - وذكر الوبر- أي الشعر- وهي بيوت البوادي.
(1) المبشرات: 45.
(2) صحيح مسلم: 4/ 2225 برقم 38 - (2900) ، مسند أحمد: 1/ 178 برقم (1541) ، صحيح ابن حبان: 15/ 61 برقم (6672) ، المعجم الأوسط: 4/ 93 برقم (3691) .
(3) مسند أحمد: 4/ 103 برقم (16998) علق عليه شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، صحيح ابن حبان: 15/ 91 برقم (66699) ، المستدرك للحاكم: 4/ 476 برقم (8324) علق عليه الذهبي: صحيح على شرط البخاري ومسلم.