فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 177

وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت كفرًا ولا ارتدادًا ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لقد صدقكم ) )، قال عمر: يا رسول الله، دَعْني أضرب عنق هذا المنافق، قال: (( إنه قد شهد بدرًا، وما يُدرِيك، لعل الله أن يكون قد اطَّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) ) [1] .

الثاني عشر: تطهير الدولة من المرتدين والمنقلبين إما بالقتل أو الاستتابة مع الاستئمان:

من الشائع عند الكثيرين أن النبي صلى الله عليه وسلم تسامح مع أهل مكة، فقال لهم: (( اذهبوا فأنتم الطلقاء، لا تثريب عليكم، يغفر الله لي ولكم ) )، فهذا وإن كان صحيحًا، فإنه ليس على إطلاقه، وإنما استثنى النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك رؤوس الكفر والنفاق والإفساد في الأرض.

فعن عبدالرحمن بن سعيد المخزومى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: (( أمِن الناس إلا هؤلاء الأربعة لا يؤمنون في حل ولا حرم: ابن خطل، ومِقْيَس بن صبابة، وعبدالله بن أبي سرح، وابن نُقَيد ) )، فأما ابن خطل فقتله الزبير بن العوام، وأما عبدالله بن سعد بن أبي سرح فاستأمن له عثمان رضي الله عنه، فأُومِن، وكان أخاه من الرضاعة فلم يقتل، ومِقْيَس بن صبابة قتله ابن عم له لحا قد سماه، وقتل علي رضي الله عنه ابن نقيد وقينتين كانتا لمِقْيَس فقُتِلت إحداهما، وأفلتت الأخرى فأسلمت [2] .

الصورة الثاني: الاحتراز من محاولاتهم لسرقة أموال الأميِّين وإضعاف المسلمين اقتصاديًّا:

قال تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 75 - 77] .

ابتدأت الآية بذكر ممدوحة لأهل الكتاب، وليست هذه الممدوحة لهم جميعًا، وإنما البعض منهم يُمدح لأجل أمانته، وقد حكت لنا السيرة عن أمثال هؤلاء، فعن عائشة رضي الله عنها زوجِ النبي صلى الله عليه وسلم قالت: استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلًا من بني الديل هاديًا خرِّيتًا، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتَيْهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث [3] .

(1) رواه البخاري ج 10 ص 194 رقم 2785.

(2) رواه البيهقي في سننه ج 9 ص 120 رقم 18743.

(3) رواه البخاري ج 8 ص 25 رقم 2104.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت