أرواحهم وأموالهم ثمنًا للجنة، بدليل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111] ، فمَن يبخل بشيء من ذلك، فسوف يطوق به يوم القيامة.
هذا هو مفهوم كلمة (لا إله إلا الله) بإيجاز شديد، وهذا هو مفهوم وصف القرآن بأنه فرقان.
قال ابن تيمية: (لفظ الفرقان يتناول ما يفرق بين الحق والباطل مثل الآيات التي بعث بها الأنبياء؛ كالحية، واليد البيضاء، وانفلاق البحر، والقرآن فرقان بين هذا الوجه من جهة أنه آية عظيمة لنبوة محمد، وعلم عظيم، وهو أيضًا فرقان باعتبار أنه فرق ببيانه بين الحق والباطل، ولفظ(الفرقان) أيضًا يتناول نصر الله لأنبيائه وعباده المؤمنين، وإهلاك أعدائهم، فإنه فرق به بين أوليائه وأعدائه، وهو أيضًا من الأعلام، قال تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41] ، والآيات التي يجعلها الله دلالة على صدق الأنبياء هي مما ينزله) [1] .
ولَمَّا كان ذلك كذلك، كان من المناسب بعد ذكر الفرقان أن يتهدَّد الله تعالى الذين كفروا بالعذاب الشديد والانتقام، وأن تتصدَّر السورةُ بهذا التهديد للذين كفروا، وهذا يتناسبُ مع الملابسات التي تنَزَّلت في حينها السورة؛ حيث كان الكافرون يعيشون لحظاتٍ من الفرح والزهو، بسبب ما حصل لهم يوم أُحُدٍ، وقد قتَلوا حمزة عمَّ النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إن أبا سفيان - وكان يومَها على الشرك - قال: (اعلُ هُبَل، اعلُ هُبَل) ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ألا تجيبوا له؟ ) )، قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: (( قولوا: الله أعلى وأجلُّ ) )، قال: (إن لنا العزى، ولا عُزَّى لكم) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ألا تجيبوا له؟ ) )، قال: قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: (( قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم ) ) [2] .
فمن اللافت للنظر أن المولى سبحانه فصل بين المفهوم الإيجابي والسلبي للتوحيد بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [آل عمران: 4] ، للتأكيد على المنهج الحركي للدعوة الإسلامية، وأنك لن تصل إلى توحيد الله تعالى الكامل إلا بعد الصراع مع الذين كفروا الذين توعدهم القرآن بالعذاب الشديد والانتقام.
(1) كتب ورسائل ابن تيمية في الفقه، ج 27 رقم 277.
(2) رواه البخاري، ج 10 ص 243 رقم 2812.