فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 177

اصطفاء المرابطين وكشف المنقلبين وفضح الزائغة قلوبهم

(دلالات تربوية حول مفهوم الدنيا والدين في سورة آل عمران)

لا شك أن طريق الهدى محفوفٌ بالتكاليف الربَّانية، التي يهتدي بها العبد إلى الجنة، بَيْدَ أن الطريق طويلٌ ويحتاج لهمة عالية، فهل من مشمر لها؟

ألا مشمر للجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نورٌ يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مَشِيد، ونهر مطرد، وفاكهة كثيرة نَضِيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحُلَل كثيرة، في مقامٍ آبدٍ، في رَحْبةٍ ونضرة، في دُور عالية، سليمة بهية، فكان أول المُشمِّرين للجنة هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يفصل بينهم وبينها إلا الموت في سبيل الله، قال الصحابة: ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم (الجهاد وحض عليه) [1] ، ويعضد متن هذه الرواية - أي معناها وإن لم تثبت سندًا - ما رُوِي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( يا أبا سعيد، مَن رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، وجبت له الجنة ) )، فعجب لها أبو سعيد، فقال: أعِدْها عليَّ يا رسول الله، ففعل، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (( وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ) )، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: (( الجهاد في سبيل الله الجهاد في سبيل الله ) ) [2] .

فسورةُ آل عمران من السبع الطوال، وعدد آياتها بلغ المائتين، وتناولت في معظم آياتِها الحديثَ عن أمور عدة، قد يصعب لأول وهلة الربطُ بينها، وبخاصة بين نصفها الأول ونصفها الثاني، بَيْدَ أنه عند التدبُّر يتبين أن جميعَها مترابطة، وتتناسب مع الظرف الذي تنَزَّلت فيه آياتها، وذلك بعد هزيمة المسلمين في غزوة أُحُد، ومن ثَمَّ تجرُّؤ أهل الكتاب عليهم وتحزُّبهم بعد أحد على النبي صلى الله عليه وسلم، بل إن من أظهرِ أسباب الهزيمة هو العَلاقة الباطنية بين المنافقين وأهل الكتاب، وتزلُّفهم لهم، وموالاتهم من دون المؤمنين، وقد ظهر ذلك في أول اختبار

(1) رواه ابن ماجه في سننه ج 12 ص 393 رقم 4323، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ج 7 ص 371 رقم 3359:"وله شاهد من حديث ابن عباس مرفوعًا مختصرًا بلفظ: (( ألا مشمر لها - يعني الجنة - ورب الكعبة، ريحانة تهتز، ونور يتلألأ، ونهر مطرد، وزوجة لا تموت، في خلود ونعيم في مقام آبدٍ"؛ أخرجه أبو نعيم في صفة الجنة 5/ 1 عن عبدالرزاق: حدثنا إبراهيم بن ميمون حدثني عبدالله بن طاوس عن أبيه، وهذا سند جيد إذا كان السند إلى عبدالرزاق صحيحًا، فليراجع؛ فإن الأصل لا تطوله يدي الآن، ثم راجعناه، فإذا في سنده إليه أحمد بن محمد بن عبيدالله، وهو راوٍ غير ثقة، بل اتهمه بعض أهل العلم؛ كما في"الميزان"، 1/ 142، والحديث من هذا الطريق في"تاريخ بغداد"4/ 252.

(2) رواه مسلم ج 9 ص 466 رقم 3496.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت