حتى أتم الله فتحها صلحًا في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكانت عندئذٍ مصر تحت الحكم البيزنطي، ولم تكن قد استقلَّت إرادتها، ومن ثَمَّ حال الروم بينهم وبين دخولهم الإسلام [1] ، وهو الأمر الذي دعا المسلمون أن يبعثوا عمرو بن العاص لمصر حتى يفتحها صلحًا، فأرسل إلى المقوقس أنه ليس بينه وبين المقوقس إلا ثلاث خصال، فقال له: (إما إن دخلتم في الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم ما لنا، وإن أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإما أن جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين) ، فاستجاب المقوقس للصلح، بَيْدَ أن الروم أبَوْا ذلك، فكتب المقوقس لعمرو قائلًا:
(إني لم أزل حريصًا على إجابتك إلى خصلةٍ من تلك الخصال التي أرسلت إليَّ بها، فأبى عليَّ مَن حضرني من الروم والقِبْط، فلم يكن لي أن أفتات عليهم في أموالهم، وقد عرَفوا نصحي لهم وحبي صلاحهم، ورجعوا إلى قولي، فأعطني أمانًا أجتمع أنا وأنت، في نفر من أصحابي وأنت في نفر من أصحابك، فإن استقام الأمر بيننا تم لنا ذلك جميعًا، وإن لم يتم رجعنا إلى ما كنا عليه) ، فاستشار عمرو أصحابه في ذلك، فقالوا: لا نجيبهم إلى شيء من الصلح ولا الجزية حتى يفتح الله علينا وتصير الأرض كلها لنا فيئًا وغنيمةً، كما صار لنا القصر وما فيه، فقال: قد علمتم ما عهد إليَّ أمير المؤمنين في عهده، فإن أجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التي عهد إليَّ فيها أجبتُهم إليها وقبلت منهم، مع ما قد حال هذا الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم، فاجتمعوا على عهد بينهم، واصطلحوا على أن يفرض على جميع مَن بمصر أعلاها وأسفلها من القبط ديناران ديناران على كل نفس ...
وقال عبدالله بن لَهِيعة عن يحيى بن ميمون الحضرمي: لَمَّا فتح عمرو مصر، صالح أهلها عن جميع مَن فيها من الرجال من القبط ممن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك، ليس فيهم امرأة ولا شيخ ولا صبي، فأحصوا بذلك على دينارين دينارين، فبلغت عدتهم ثمانية آلاف ألف.
قال: وشرط المقوقس للروم أن يخيروا، فمن أحب منهم أن يقيم على مثل هذا أقام على ذلك لازمًا له مفترضًا عليه ممن أقام بالإسكندرية وما حولها من أرض مصر كلها، ومَن أراد الخروج منها إلى أرض الروم خرج، وعلى أن المقوقس له الخيار في الروم خاصة حتى يكتب إلى ملك الروم يعلمه بما فعل، فإن قبل ذلك ورضيه جاز عليهم، وإلا كانوا جميعًا على ما كانوا عليه) [2] .
(1) دوافع فتح مصر للدكتور راغب السرجاني:
(2) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج 1 ص 4.