المحور الأول
مفهوم الرباط في سبيل الله وتعدد صوره
الآيات من (7 - 32) :
سطرت الآياتُ السابقة تلاوتها الأصولَ الثلاث التي ينبني عليها الإسلام:
التوحيد في الاعتقاد.
واتباع (الشريعة) كمنهج.
والرباط على ذلك لدفع الباطل ومصارعة الكافرين والزائغين عن الحق.
وهو الأمر الذي يستتبعُ الشروعَ في بيان المحور الأول لهذه السورة، بعد أن أجملت المقدِّمة التوحيد، وأشارت للصراع بين المرابطين عليه والزائغين عنه، ليكون عُنوانُ المحورِ الأول"الرباط على المنهج من حيث مفهومه وتعدد صوره"، سواء تمثَّلت في الرسوخ في العلم لحفظ الشريعة من أصحاب الأهواء الزائغة قلوبُهم عن الحق، أو في الرباط على العبادة، ويتقدمهم الراسخون في العلم، ويشترك معهم الضعفاء وأصحاب الأعذار الذين قصرت طاقتهم عن الجهاد؛ كالمرأة، والطفل، والشيخ الكبير، أو في استصحاب نية الجهاد في سبيل الله، والأصل أن يجمع هؤلاء بين كل صور الرباط في سبيل الله، فضلًا عن ضرورة بيان المُعوِّقات التي تعترض المرابطين وتؤخرهم عن الجهاد في سبيل الله.
الأمر الذي كان لا بد معه من صرف أنظار المرابطين إلى ما يحفزهم للجهاد، فتشرئِبُّ له قلوبُهم، فينصرفون عما يُثبِّطهم - من متاع الدنيا - عن الجهاد في سبيل الله، ويجعلهم يثَّاقلون إلى الأرض، وإنما حملهم إلى ما يُقبِلون به على ما يُقرِّبهم من رضوان الله تعالى يوم القيامة.
ولا يقتصر الأمر على تحفيزهم دون إرشادهم إلى ما يستعينون به على ذلك من دوام الصلة بالله تعالى، ليكونَ حالُهم بين الصبر على البلاء، والصدق في العبادة، والتجرد من متاع الدنيا بالإنفاق في سبيل الله، والتغلب على الراحة والدعة والكسل بالقنوت في الدعاء والاستغفار في الأسحار.
وعليه ترسم السورةُ منهجَ المرابطين على كلمة التوحيد، ليتقدَّمهم قول (لا إله إلا الله) ، فتكون شهادتُهم بها وعدمُ كتمانِها هو أولَ صدع بالإسلام وشعائره عند محاجَّة أهل الكتاب لهم، ويظل حالهم الثبات على البلاغ، بالرغم تولي وإعراض الذين كفروا عنهم، وحتى وإن اشتدَّ عليهم الكافرون بالقتل والاضطهاد والانقلاب، فإن دعوتَهم إلى الاحتكام لكتاب الله تعالى تظل قائمة ومستمرة، وإن واجهوها بالرُّعونة في أمر الدين والاستهانة بعذاب الله.