فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 177

أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ) )، ثم تلا هذه الآية: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58] الآية [1] .

ولذلك كان منهج الأنبياء في دعوة أهل الكتاب أن يحاجُّوهم بإظهار شعائر الإسلام لهم، ففي ذلك أبلغ حجة، وقاطع لكل شبهة وقعت بهم، {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 73] ، فهؤلاء ليس لديهم حجة، فامضوا يا أتباع محمد صلى الله عليه وسلم في طريق دعوتكم، وأظهروا شعائر ربكم، فقد أقيمت الحجة عليهم بإعلان إسلامكم واتباعكم لملَّة أبيكم إبراهيم صلى الله عليه وسلم ودين نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وعلى جميع المرسلين.

ثالثًا: الإلحاح في الدعوة حتى الإسلام:

قوله سبحانه: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ} [آل عمران: 20] .

فيه تصريح بشمول رسالته لأهل الكتاب والعرب الأمِّيين كذلك [2] .

وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( أعْطِيتُ خمسًا لم يُعْطَهُنَّ أحد من الأنبياء قبلي ) )، وذكر منهن: (( وكان النبي يبعث إلى قومه، وبُعِثت إلى الناس عامة ) ).

وقوله تعالى: {أَأَسْلَمْتُمْ} فيه دلالة على إلحاح النبي صلى الله عليه وسلم في عرض دعوته لهم؛ أي: (للحض على أن يسلموا وجوههم لله) [3] ، فهو سؤال بمعنى الأمر [4] أو الطلب.

قال ابن عاشور: (القصد من ذلك الحرص على اهتدائهم والإعذار إليهم، وإنما هو تكرر للدعوة؛ أي: اترك محاجتهم ولا تترك دعوتهم) [5] .

وقوله تعالى: {فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا} فيه بشارة للجماعة المؤمنة بأن مجرد دخولهم في الإسلام وإعلانهم الشهادتين هدايةٌ لهم للحق، وهذا هو الهُدى الأول، ليشرع المسلمون بعد ذلك في هدايتهم لتعاليم الإسلام وشرائعه، ولا تقتصر دعوتهم عند حد دخول الإسلام فحسب، بَيْدَ أنه يجب التريث بين هدايتهم للإسلام وهدايتهم لتعاليم الإسلام وشعائره، فقد أفصح الحق سبحانه أنه بمجرد دخولهم الإسلام فقد اهتدوا، من ثم فإن

(1) رواه ابن ماجه ج 1 ص 55 رقم 47، وصححه الألباني، صحيح ابن ماجه، ج 1 ص 55 رقم 47.

(2) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي ج 2 ص 41.

(3) الوسيط لسيد طنطاوي ج 1 ص 571، والشعراوي ج 1 ص 889.

(4) البحر المديد لابن عجيبة ج 1 ص 261 - البحر المحيط لأبي حيان النحوي الأندلسي ج 3 ص 186 - الوجيز للواحدي ج 1 ص 82 - تفسير العز بن عبدالسلام ج 1 ص 147.

(5) التحرير والتنوير ج 3 ص 57.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت