فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 177

سادسًا: الملك والعزة ليسا معيارًا لحسم الصراع أو شرطًا لإقامة الدين، وإن كان لازمًا للتمكين:

ومن هنا يُقرِّر القرآن الكريم قاعدة هامة لا بد للأجيال المتتابعة أن تتعلَّمها وتتدارسها، ألا وهي أن دوام الملك من المحال، وأن الأيام تُتَداول بين الناس، وهذه سنة الله تعالى ولا تتبدل ولا تتغيَّر، فهو سبحانه وتعالى بيده الملك يعطيه لمن يشاء وينزعه ممن يشاء، تمامًا مثلما تدور الأيام ويتعاقب الليل والنهار.

وبالرغم من أن الأيام تدور، فإن ثَمَّة قاعدة أخرى ثابتة لا بد وأن تتناقلها الأجيال المتلاحقة {وَلِلَّهِ الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} ، فمهما ارتفع شأن الكافرين، وكل ما أصاب المؤمنين لا يغير من هذه القاعدة، {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} ، فالعزة مسألةٌ نفسية لا عَلاقة لها بالغنَى والفقر، ولا بالصحة والمرض، ولا بالنصر والهزيمة، وإنما هي عزة يجدها المؤمن في قلبه، ويستمدها من الله تعالى، {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: 10] ، وذلك بصلته بالله تعالى، وحسن إسلامه له سبحانه، فلو أن ملكًا من ملوك الدنيا أرسل رسولًا له في شأنه، فإن هذا الرسول يستصحب معه عزة المَلِك الذي أرسله، فإن وقع في الأسر استشعر العزة بقدر عزة ملكه وسطوته، وعلم أن فكاكه قريب، وإن لم يثق في عزة مَلِكه عاش في ذلة ما لم يلتمس العزة من مالك الملك.

ومن اللطيف أن نذكر ما قاله الفخر الرازي - نقلًا عن كثير من المفسرين - أنه سبحانه يُخرِج المؤمن من الكافر كإبراهيم من آزر، والكافر من المؤمن مثل كنعان من نوح، آية ذلك قوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122] ، يريد كان كافرًا فهديناه، فجعل الكفر موتًا والإيمان حياة [1] .

ولَمَّا كان الإيمان بالله ودخول الإسلام خيرَ رزقٍ يُرزَقه العبد، فإن تحصيل التقوى يعمل على تحصيل الرزق بغير حساب، لقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 2، 3] ، فكان من خير الرزق الذي يُرزقه العبد بعد دخول الإيمان في قلبه، أن يكون سببًا في إدخال الإيمان في قلوب أظلمت بالشرك والكفر، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب في خيبر: (( ادعُهم إلى الإسلام، وأخبِرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهديَ الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حُمْر النَّعَم) [2] .

وقد روي أنه لَمَّا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرضت لهم صخرةٌ، حالت بينهم وبين الحفر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ المِعْوَل ووضع رداءه ناحية الخندق، وقال: (( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ

(1) تفسير الرازي مفاتيح الغيب ج 4 ص 166.

(2) رواه البخاري ج 13 ص 110 رقم 3888.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت