قصر الله تعالى فهمَ التوحيد على مَن شهِد بوحدانيته، وأقره الله تعالى على هذه الشهادة، فبدأ بنفسه، فما ينزله الله تعالى من وحي عن طريق ملائكته من قرآن أو سنة - سواء كان حديثًا قدسيًّا أو نبويًّا - فهو من الوحي.
قال العلماء: (وإذا ثبت أنَّ وحي اللهِ إنَّما يصلُ إلى البشر بواسطة الملائكة، فلهذا السَّبب ذكر الملائكة في المرتبة الثانية) [1] .
وهو حجة في تفسير لا إله إلا الله، وكذلك ما فهمه أولو العلم، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] .
قال القرطبي: (لو كان أحدٌ أشرفَ من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته، كما قرن اسم العلماء) [2] .
أولئك الذين رابطوا على فهم الصحابة والسلف الصالح لهذه الأمة، ولم يحيدوا عن فهمهم ولا عن منهجهم، هم الراسخون في العلم، وهم بوصلة هذه الأمة لترشدها إلى الدين الصحيح.
قال ابن القيم (إن أولي العلم أعم من الرسل والأنبياء، فيدخلون هم وأتباعهم ... ، فالحجة قامت بالرسل على الخلق، وهؤلاء نواب الرسل وخلفاؤهم في إقامة حجج الله على العباد) [3] .
قال الألوسي:
(والشهداء لهم نور العلم مساوق لنور الرسول، من حيث هو شاهد لله تعالى بتوحيده لا من حيث هو رسول) [4] .
قال الشيخ ابن عثيمين: (فكل إنسان يكتم علمًا فقد كتم شهادة عنده من الله) [5] .
قوله تعالى {قَائِمًا} ؛ أي: {بِالْقِسْطِ} ، اسم فاعل حال منصوب بالفتحة، فهو حال للقائم بهذه الشهادة.
يقول العلماء: (القيام بالقسط من الصفات الخاصة به تعالى) ، ويتعدى ذلك حال كل مَن شهد أنه لا إله إلا الله أن يقوم على منهج الله تعالى بين الناس بالقسط، وهو من الرباط في سبيل الله تعالى؛ حيث تخرج هذه الكلمة من الفم ليصدقَها حال القائم بها، فهم يرابطون على العلم والدعوة في سبيل الله حتى يصلوا إلى الاستشهاد في سبيل الله، وهذا يؤكد أن أولي العلم وأصحاب الدعوة يحملون همَّها، ويقومون بها لدعوة
(1) اللباب في علوم القرآن ج 3 ص 398، لمؤلفه: أبي حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني.
(2) القرطبي ج 4 ص 41.
(3) التفسير القيم لابن القيم ج 1 ص 309.
(4) شهاب الدين محمود بن عبدالله الحسيني الألوسي ج 4 ص 124، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني.
(5) تفسير القرآن للعثيمين ج 4 ص 82.