المطلب الأول
فتح سبل للحوار مع أهل الكتاب
الآيات: من (61) - (68) :
قوله تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ... إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 61 - 68] .
أولًا: المباهلة أول سبل الحوار الجدلي مع أهل الكتاب وآخر سبل الدعوة بالحسنى:
قال تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61] .
الحوار أول سبل هذه الدعوة، فمن المهم أن يفتح المسلم هذا الباب مع الآخر، فيكون هناك سبلٌ للتواصل والمناقشة والمراسلة بين أهل الكتاب والمسلمين، ولعل أسلوب التحفيز في الحوار - بمعنى المبارزة الحوارية أو المناظرات الفكرية - مما يحمس كل طرف لأن يجمع أمره، ويستذكر دروسه حتى يقابل الحجة بالحجة والبينة بالبينة، ومن ثَمَّ كانت المباهلة وسيلةً إيضاحية وبيانية مؤكِّدة لأهل الكتاب ثقةَ المسلمين في دينهم واعتزازهم به، ليقطعوا عليهم كل وسيلة تطمعهم في أن يردونا عن ديننا [1] .
وحاصل كلام العلماء في حكم المباهلة أنها لا تجوز إلا في أمر مهم شرعًا وقع فيه اشتباه وعناد، لا يتيسر دفعه إلا بالمباهلة، فيشترط كونها بعد إقامة الحجة، والسعي في إزالة الشبه، وتقديم النصح والإنذار، وعدم نفع ذلك ومساس الضرورة إليها [2] .
وهذا هو عين الذي حصل عندما استطرد القرآن في حكاية خلق عيسى ويحيى عليهما السلام، وتأييد المسيح بالمعجزات، وتبرئته من قومه، ونصرة الحواريين له، ومحاولة قتله كما أسلفنا.
قال ابن القيم الجوزية: (السُّنة في مجادلة أهل الباطل إذا قامت عليهم حُجَّةُ اللهِ، ولم يرجعوا، بل أصرُّوا على العناد أن يدعوَهم إلى المباهلة) [3] .
والمعنى أن المباهلة هي أول صور الحوار الجدلي، وآخر سبل النقاش الإقناعي، وكأنها مرحلة تتوسَّط مرحلتَي المجادلة بالحسنى والدعوة بالتي هي أحسن، فالأصل في الدعوة أن تكون بالتي هي أحسن، فلا يكون للجدال فيها محل، لكن ماذا لو تطرَّق الجدال للحوار العقائدي من جانب الذين كفروا؟
(1) انظر: الحوار بين الأديان حقيقته وضوابطه ص 13 لمؤلفه د/ عبدالرحين بن صمايل السلمي - مع بعض التصرف.
(2) أحمد بن إبراهيم بن عيسى - شرح قصيدة ابن القيم ج 1 ص 37 - الناشر المكتب الإسلامي بيروت الطبعة الثالثة.
(3) زاد المعاد في هدي خير العباد ج 3 ص 643.