المطلب الثاني
مُعوِّقات الرباط في سبيل الله تعالى، وكيفية علاجها
الآيات من (14 - 17) : {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ ... وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} .
الإنسان مجبول على حب أصناف ستة، بمقتضى الطبع والفطرة، ولا أثر لإيمان الفرد في هذا الحب، إلا أن يتمكن الحب منه فيُنْسِيَه أو يشغلَه عن عبادة ربه، أو أن يتغلب على حبه لهذه الأصناف فيطوِّعها لما يرضاه الله تعالى.
يقول الشيخ الشعراوي:"الموضع الذي تأتي فيه هذه الآية الكريمة هو موقع ذكر المعركة الإسلامية التي جعلها الله آية مستمرة دائمة، لتوضح لنا أن المعارك الإيمانية تتطلب الانقطاع إلى الله، وتتطلب خروج الإنسان المؤمن عما ألف من عادة تمنحه كل المتع، والمعارك الإيمانية تجعل المؤمن الصادق يضحي بكثير من ماله في تسليح نفسه، وتسليح غيره أيضًا" [1] .
والمولى سبحانه وتعالى يعالج هذه القضية بلفت الانتباه، وشغل الذهن، وشحذ الهمم بما هو أهم من الانشغال بهذه الأعراض الستة، فيقول: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ} [آل عمران: 15] ، فالإنسان ينشغل بهذه الشهوات عندما لا يجد لنفسه منشغلًا بغيرها، فإذا انشغل بغيرها عنها نجح في الإفلات من هذه المصيدة، وأصحاب الدعوات ليسوا كسائر البشر في التمتُّع بمتاع الحياة الدنيا، فهؤلاء يرابطون النية - ليلَ نهارَ - في سبيل الله تعالى، ليتحوَّل تمتعهم بهذه الأصناف الستة إلى تمتع لأجل طاعة الله، لا لأجل إشباع الشهوات ولا لأجل التلذُّذ وحسب، وهذا هو مفرق الطريق بين المرابطين والمنقلبين والزائغة قلوبهم، ولتوضيح ذلك لا بد من الحديث عن كل قسم منها باستقلال.
الفتنة الأولى: النساء: فهن أفضل ما يأنس به الرجال من متاع الدنيا فيحظون بهن، وهن لهم سكن، يقول سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم: 21] ، ورغم أن العَلاقة التمتعية متبادلة بين الرجل والأنثى، وقد أشار القرآن لذلك بقوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187] ، ورغم أن الودَّ موصول بينهما، وهو ظاهر في قوله تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] ، فإن الآية التي نحن بصددِها أشارت إلى النساء دون الرجال، الأمر الذي يعني أن النساء فتنة للرجال، والأمر بعكس ذلك بالنسبة للنساء، فليس الرجال لهن بفتنة، فهل يعزى ذلك؛ لأن المرأة هي الطرف الأضعف فتُشتَهى وتُراوَد عن نفسها باعتبارها محلاًّ للاشتهاء؟
(1) تفسير الشعراوي ج 1 ص 845.