(قال الخطابي: يوم بعاث يومٌ مشهور من أيام العرب كانت فيه مقتلة عظيمة للأوس على الخزرج، وبقيت الحرب قائمةً مائة وعشرين سنة إلى الإسلام، على ما ذكر بن إسحاق وغيره، قلت: تبِعه على هذا جماعة من شراح الصحيحين ...
أما وقعة بعاث، فكانت قبل الهجرة بثلاث سنين، وهو المعتمد، وهو أصح الأقوال ... ، ودامت الحرب بين الحيَّينِ - الأوس والخزرج - في أيام كثيرة شهيرة) [1] .
وقال ابن رجب: (أي قدم ذلك اليوم لأجل رسول الله؛ إذ لو كان أشرافهم أحياءً لاستكبَروا عن متابعة رسول الله، ولمنع حبُّ رياستهم عن دخول رئيس عليهم، فكان ذلك من جملة مقدمات الخير.
قوله:"في دخولهم في الإسلام"كلمة (في) هنا للتعليل؛ أي:"لأجل دخولهم"؛ أي: دخول الأنصار الذين بقَوْا من الذين قتلوا يوم بعاث في الإسلام) [2] .
والمعنى المستفاد مما تقدَّم أن العداء الذي كان بين الأوس والخزرج كان سببًا لدخولِهما في الإسلام، بعد أن وجدا أن القتل استحرَّ بهم، ونال من أشرافهم وسادتهم، فلما دعاهم الإسلام لنبذ الفرقة والاختلاف والقتال، ودعاهم إلى الحب والإيخاء كان ذلك قريبًا لقلوبهم وأحبوه فاستجابوا له ودخلوا في الدين.
يقول سبحانه: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] .
من هنا يمكن القول: إن أول فروض الكفاية تقدمًا في المرتبة على غيرها من الكفائيات ما يُتوَصَّل به إلى حفظ الدين في الناس، وتوريثه للأجيال القادمة، وهذه هي وظيفة الأنبياء، لكن لَمَّا كان النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتمَ الأنبياء، وقد جاء بمعجزة تحيا بعد موته، ألا وهي معجزة الإسلام كعقيدة وشريعة، كدين يتعبد به لله وكمنهج ينظِّم للناس كافة صور الحياة - كان لا بد كذلك لكي تستمر هذه المعجزة أن يحمل هذا المنهج ويدعو إليه جماعة من المسلمين تنتدب لذلك، فإذا كانت هذه الجماعة منتدبةً من الدولة المسلمة تمكَّنت - فضلًا عن نشر الدعوة - من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل درجاته، فإن لم تكن مُمَكَّنة ولم تكن منتدبةً، فإن الشارع قد انتدبَها للقيام بهذه الوظيفة متى توافرت فيها اشتراطاتها، شريطة أن يكون أمرها بالمعروف وإنكارها للمنكر وَفقًا للصور التي أجازها الشرع بما لا يوقعها في منكر أكبر من المنكر الذي تنهى
(1) فتح الباري لابن حجر ج 2 ص 442.
(2) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج 24 رقم 414.