فعن مصعب بن سعد عن سعد قال: لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبدالله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان، فجاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، بايِعْ عبدالله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه، فقال: (( أما كان فيكم رجل رشيد، يقوم إلى هذا حيث رآني كففتُ يدي عن بيعته فيقتله؟ ) )، فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك، قال: (( إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين ) ) [1] .
وامتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن مبايعته، وقد حصل ذلك أكثر من مرة، دليلٌ على عدم رضاه، وأنه يستحق القتل لو قتل، وهذا هو الدليل على الترجمة، وهو كون الرسول صلى الله عليه وسلم أذِن أن يقتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام، وكذلك الذين لم يؤمنهم الرسول صلى الله عليه وسلم، فجاز أن يؤسروا ويقتلوا ولا يعرض عليهم الإسلام، وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل مع عبدالله بن أبي السرح؛ لأنه كان من كتَّاب الوحي، كان يكتب الوحي للرسول صلى الله عليه وسلم، ثم إنه ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، فعامله النبي صلى الله عليه وسلم هذه المعاملة، لكونه كان من كتاب الوحي، ومع ذلك حصل منه ما حصل؛ إذ كان في الأصل أن كتابة الوحي وائتمان النبي صلى الله عليه وسلم له على الوحي داعيانِ لبعده من أن يقع في مثل هذا الذي وقع فيه، فمن أجل ذلك عامله النبي صلى الله عليه وسلم هذه المعاملة [2] .
بَيْدَ أنه لم يقتله مع إرادته ذلك، لكونه استجار بمسلم من أهل العدالة بعد أن أعلن توبته، والاستجارة هي بمثابة شهادة العدل بأنه أسلم وحسن إسلامه، وأنه لم يرتد تحايلًا؛ لأنه لم يدخل الإسلام قبل ذلك لهذه الشبهة، وقلما حدث ذلك، ولَمَّا كان أهل الحق لا يرتدُّون عنه أبدًا، فإن دخوله الإسلام كان فيه شبهة طلب المغنم، أو الدنيا، أو الزعامة، فلما لم ينَلْ شيئًا من ذلك ارتد، فلما فتح الله على المسلمين مكة عاد للإسلام، فكان بُغْض رسول الله صلى الله عليه وسلم لصنيعه حمله على أن يهدر دمه.
قال ابن الأثير: (وكان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتد مشركًا وصار إلى قريش بمكة، فقال لهم: إني كنت أصرف محمدًا حيث أريد، كان يملي علي:"عزيز حكيم"، فأقول:"أو عليم حكيم"، فيقول:"نعم، كل صواب") [3] .
(1) رواه أبو داود ج 11 ص 434 رقم 3793، وصححه الألباني: صحيح وضعيف سنن أبي داود ج 9 ص 359، رقم 4359 - السلسلة الصحيحة ج 4 ص 300 رقم 1723.
(2) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج 14 ص 253.
(3) أسد الغابة في معرفة الصحابة ج 1 ص 617.