المطلب الثاني
تميز المرابطين من أهل الكتاب والمسلمين عن الكافرين أصحاب الأهواء
الآيات من (113) - (120) :
لكي يتميز المرابطون من أهل الكتاب، والمسلمون عن الكافرين، فلا بد وأن يثبُت أولًا أهل الكتاب والمسلمون في مواقعهم وثغورهم حتى يفتح الله تعالى على بلادهم بالإسلام، ولا بد دائمًا أن يوقنوا بأن النصر صبر ساعة، فإذا ما تحقَّق النصر فأول مهامِّ المرابطين هي تطهير بلادهم من الخونة والمنافقين من جميع مؤسسات دولتهم الجديدة حتى لا ينقلب عليهم المنقلبون، ولا ينخدع المرابطون بهم حتى لو أظهروا لهم مودة أو مواطنة، فأهل الثقة هم الأجدر في تولي الأمانات، والخبرات تكتسب بالاستعانة بالخبراء والمستشارين دون أن يولوا ولاية تضيع بها الأمة حال خيانتهم لها.
أولًا: الرباط على العبادة والدعوة في كل المواقع والثبات في الثغور:
قال تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 113 - 115] .
فبالرغم من العداوة التي يلقيها أهل الكتاب للمسلمين، والأذى الذي يُقدِّمونه، إلا أن الله تعالى شاءت إرادته أن يُخرِج من أصلابهم مؤمنين، وهذه الصورة كثيرًا ما نشاهدها، وتحكي لنا عنها السيرة الكثير والكثير، بل إن منهم بالفعل من المرابطين الذين كتموا إسلامهم لأجل قومِهم، فلم يجهروا به مخافةَ الفتنة، ولعل منهم هرقل ملك الروم - والله أعلم - بل كاد يُعلِن إيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم، رغم أنه كان نصرانيًّا، لما دعا عظماء الروم عنده بحمص، ثم أمر بأبوابها فغُلِّقت، ثم اطلع، فقال: (يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي، فحاصوا حيصة حُمُر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان، قال: ردوهم عليَّ، وقال: إني قلت مقالتي آنفًا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل) [1] .
وكان للبعض منهم عدة مواقف يُحمَدون عليها في نصرة الإسلام؛ منهم النجاشي ملك الحبشة، لما آوى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين هاجروا إليه وحماهم من عمرو بن العاص - ولم يكن عندئذٍ على الإسلام - ورفض أن يسلمهم له.
(1) رواه البخاري ج 1 ص 8 رقم 6.