فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 177

"لم يزلِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في جدالِ الكفار على اختلاف مِللهم ونِحَلِهم إلى أن تُوفِّي، وكذلك أصحابُه من بعده، وقد أمره الله سبحانه بجدالهم بالتي هي أحسن في السورة المكية والمدنية، وأمره أن يدعوهم بعد ظهور الحُجَّةِ إلى المُباهلة، وبهذا قام الدينُ، وإنما جُعِلَ السيفُ ناصِرًا للحُجَّة" [1] ؛ أي: حينما يعجز اللسان عن كسر شوكة المتكبرين منهم، الذي قال الله عنهم: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] ، فإن السيفَ يكسر هذه الشوكة لتظل الحجة محرَّرة عن أي تدليس أو تضليل، أو تعتيم أو تحريف، وتظل الصلة بين الدعاة إلى الله تعالى والناس موصولة، لا يقطعها قاطع أو صادٌّ عن سبيل الله، {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ} [الأعراف: 44، 45] ، وتزال به كل سبل قطع السماع عن الذين آمنوا وبلاغ البيان للذين كفروا، فلا يكون السيف أبدًا إلا لأجل أن تصل كلمة الحق لمسامع الناس من وراء الصادِّين عن سبيل الله تعالى.

ثانيًا: المجادلة بالحسنى بقصد الوصول إلى كلمة سواء:

قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] .

من الضروري أن يتغيَّر أسلوب الحوار مع أهل الكتاب ليتحوَّل من المباهلة والتحدي إلى الدعوة بالحسنى والاتفاق على كلمة سواء، ونفي سبل الشرك في العبادة لله، فالتنوع في أسلوب الخطاب ينير العديد من العقول المظلمة، ويفتح كثير من القلوب المغلقة، يقول سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125] .

يقول الشوكاني:

(ورد تسويغ الجدال بالتي هي أحسن، لقوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46] ، فينبغي أن يقصر جوازه على المواطن التي تكون المصلحة في فعله أكثر من المفسدة، أو على المواطن التي المجادلة فيها بالمحاسنة لا بالمخاشنة) [2] .

ولذلك كثُرت رسالات النبي صلى الله عليه وسلم إلى كلِّ مَن حوله من ملوك الفرس والروم والحبشة، يدعوهم فيها إلى كلمة سواء، ونبذِ كلِّ ما يُؤدِّي إلى الفُرْقة في أمر الاعتقاد في الله، فالاجتماع على بحث هذه

(1) زاد المعاد في هدي خير العباد ج 3 ص 642.

(2) فتح القدير 1 ص 477

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت