أتقرب بها إلى الله عز وجل، قال: (( فاحبس أصلها وسبِّلِ الثمرة ) ) [1] ؛ أي: اجعله حَبيسًا وقفًا مؤبدًا لا يباع ولا يوَهَبُ ولا يُورَثُ، واجعل ثمرته في سُبُل الخير [2] .
قال ابن حجر: (وحديث عمر هذا أصل في مشروعية الوقف) [3] .
كما أن المقصود من الإنفاق كذلك هو البر لمن هم أولى الناس بالبر، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بَيْرُحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيِّب، قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] ، قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول: {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] ، وإن أحب أموالي إليَّ بَيْرُحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( بخٍ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين ) )، فقال أبو طلحة: أفعلُ يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه) [4] .
ولكي تصل الشريعة بالإنسان لهذه المرحلة من الرقي، وهي البر، لا بد وأن تنتهج بالمسلمين نهجًا معينًا، وخطوة بخطوة، فابتدأت الآيات أولًا ببيان أن الأصل في الأحكام الإباحة، وأن التحريم ليس إلا بسبب الظلم الذي يقع من الناس، ذلك أن الناس تعزف عن الدخول في الإسلام، لما يرونه من تكاليف في العبادة، وقيود في الحل والتحريم، بَيْدَ أن الحقيقة أن الأصل في الأشياء جميعها الإباحة، وإنما يُنظِّم الإسلام كيفية الاستمتاع بالطيِّبات، حتى لا ينقلب هذا الاستمتاع إلى ضده، وتنقلب النعمة إلى نقمة، وضربُ المثال بالطعام هو أظهرُ الأمور لمعرفة مقاصد الإسلام في الحلال والحرام، فعندما يُحرِّم الإسلام الخمرَ بعد أن يمدحها القرآن بذكر أن فيها منافع للناس، ثم يذمها ويقول وإثمهما أكبر من نفعهما، فإنه يؤكِّد أن الأصل في الأشياء الإباحة، وإنما حُرِّمت الخمر لأجل أن ما تُذَم به أكبر مما تُمدَح لأجله.
(1) رواه النسائي في سننه الكبرى ج 4 ص 94 رقم 6431، وصححه الألباني: صحيح سنن النسائي ج 8 ص 176 رقم 3604 - صحيح، ابن ماجه 3397.
(2) الزمخشري: الفائق في غريب الحديث والأثر ج 1 ص 254.
(3) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج 5 ص 402.
(4) رواه البخاري ج 5 ص 304 رقم 1368.