فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 177

المطلب الأول

مفهوم الرباط في سبيل الله من خلال تعدد صوره الثلاث

الآيات من (7 - 13) :

قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ... ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} .

الصورة الأولى: الرباط على العلم والرسوخ فيه لحفظ الشريعة من أصحاب الأهواء الزائغة قلوبهم:

فقد أنزل الله تعالى آياتِه المُحكَمات التي ذكر فيها القتال في سبيل الله، تلك التي يُسلِّم بها المؤمنون تسليمًا، ويتقدمهم في ذلك الراسخون في العلم، في حين يبتغي المنافقون تأويلَها ليصرفوها عن مضمونِها، كأن يبتروا الجهاد عن الإسلام ابتغاءَ الفتنة، ودون دليل من كتاب الله تعالى، أو قول لأحد من أهل العلم الراسخين فيه، قال سبحانه: {فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ} [محمد: 20] .

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ... } ، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( فإذا رأيت الذين يتَّبِعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سَمَّى الله، فاحذروهم ) ) [1] .

قال الطبري: قيل: إن هذه الآية نزلت في الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر عيسى، وقيل في أمر مدة هذه الأمة، والثاني أولى [2] .

وعندي أن دلالة الآية من الوسع بحيث تستوعب المعنيِّينِ.

قال ابن القيم:

(على المفتي ألا يتأوَّل النصوص تأويلًا فاسدًا إذا سئل عن تفسيرِ آيةٍ من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس له أن يُخرِجَها عن ظاهرِها بوجوه التأويلات الفاسدة لموافقة نحلته وهواه، ومَن فعل ذلك استحق المنع من الإفتاء والحجر عليه، وهذا الذي ذكرناه هو الذي صرَّح به أئمة الإسلام قديمًا وحديثًا) [3] .

قال أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية:

"ذهب أئمة السلف إلى الانكفافِ عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب تعالى، والذي نرتضيه رأيًا، وندين الله به، اتباعُ سلف الأمة، وقد درج صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم"

(1) رواه البخاري ج 14 ص 14 رقم 4183.

(2) فتح الباري - لابن حجر العسقلاني ج 8 ص 210.

(3) إعلام الموقعين ج 4 ص 245.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت