فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 177

على ترك التعرُّض بمعانيها، ودرك ما فيها، وهم صفوة الإسلام، وكانوا لا يألون جهدًا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، ولو كان تأويل هذه الظواهر مسوغًا أو محبوبًا لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل، كان ذلك قاطعًا بأنه الوجه المتبع، فحق على ذي الدين أن يعتقد تنَزُّه الباري عن صفات المُحدَثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب تعالى [1] .

قال ابن القيم الجوزية:

(إن الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبهة بعددِ أمواج البحر ما أزالت يقينه، ولا قدحت فيه شكًّا؛ لأنه قد رسخ في العلم فلا تستفزه الشبهات، بل إذا وردت عليه ردَّها حرس العلم وجيشه مغلولة مغلوبة) [2] .

وقال الصلابي:

(لا بد من التفريق بين العلماء والمفكِّرين والمثقفين، إن مفكري الأمة لهم مكانتهم، وبعضهم قد نفع الله عز وجل بهم نفعًا كبيرًا، ولكنهم مع ذلك لن يُغْنوا عن العلماء شيئًا إلا في حدود علمهم وقدراتهم، كما أن المثقفين، وهم فئةٌ من الأخيار الصالحين ذوي تخصصات علمية برزوا فيها، سواء في العلوم التجريبية مثل الطب والهندسة والكيمياء، أو في العلوم المسماة بالعلوم الإنسانية مثل علم النفس وعلم التربية وعلم الاجتماع، فهؤلاء وإن حُمِد لهم تخصصهم في مثل هذه العلوم فصاروا مرجعًا فيها، فإنهم غير مختصين في العلوم الشرعية، وهم في الاصطلاح العلمي الشرعي جمهور المسلمين وعوامُّهم الذين يجب أن يكونوا وراء العلماء، ويجب أن يرجعوا العلماء في أمور الشريعة، ويكونوا عونًا لهم في شرح واقع تخصصاتهم، فالطبيب يشرح الأمور الطبِّية، والاقتصادي يشرح الجوانب الاقتصادية، وهكذا.

إن كلام هؤلاء المفكرين والمثقفين يجب أن يكون محكومًا بالشرع، أما إذا بنى هؤلاء المثقَّفون والمفكرون كلامهم في أمور الشريعة، وأحوال الأمة العامة، على أساس من العقول والأهواء، وإطلاق القول بالمصالح دون نظر في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوال العلماء الراسخين، فإنهم بذلك يكونون أشبه بأهل الكلام) [3] .

(1) عون المعبود ج 12 ص 228.

(2) مفتاح دار السعادة 1 ص 140.

(3) د/ علي محمد الصلابي: فقه النصر والتمكين ص 240.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت