فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 177

المطلب الثاني

الاصطفاء على الاصطفاء تمهيد لتحقق المعجزات

قال تعالى:

(وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ * ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ(مريم /42 - 44)

وهنا يأتي الاصطفاء على الاصطفاء، ويأتي ذلك لَمَّا تكون المهمة الموكلة للمصطفى هي حفظَ الدين وتوريثَه للناس، بل وتأييد رسالة نبي يأتي هو خاتم النبيِّين، يأتي بمعجزة لم تألَفْها العادة ولا تخطر ببال، بأن يكون المنهج ذاته هو معجزة هذا الدين، وقد كانت هذه المهمة موكلةً لعيسى ابن مريم؛ حيث اصطفاه الله تعالى لأن يكون آخر أنبياء بني إسرائيل، واصطفاه كذلك ليكونَ آخر الناصرين لدين النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى ملته.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تقوم الساعةُ حتى ينزلَ فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ) ) [1] .

ومن ثَمَّ كان اصطفاء مريم لأن تحمل أمانة هذا المصطفى، تتطلَّب أن تتطهر ويتم اصطفاؤها على نساء العالمين، فإنها سوف تُواجِه الكثير من المصاعب لأن تسيح في الأرض بابنِها الرضيع الذي تحاول الأيدي أن تخطفه منها، والسيوف أن تُهرِق دمه، فطافت به العالَم كله حتى تحفظ هذه الأمانة.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران ) ) [2] ؛ أي: الواصلة إلى مراتب الكاملين في الاقتداء بهن، وذكر محاسنهن ومناقبهن وزهدهن في الدنيا وإقبالهن على العقبى [3] .

قال السعدي: (الاصطفاء الأول يرجع إلى الصفات الحميدة والأفعال السديدة، والاصطفاء الثاني يرجع إلى تفضيلِها على سائر نساء العالمين، إما على عالَمِي زمانها أو مطلقًا، وإن شاركها أفراد من النساء في ذلك؛ كخديجة، وعائشة، وفاطمة، لم ينافِ الاصطفاء المذكور ) ) [4] .

(1) رواه البخاري ج 8 ص 371 رقم 3396.

(2) رواه البخاري ج 11 ص 250 رقم 3179.

(3) تحفة الأحوذي ج 10 ص 265.

(4) تفسير السعدي ج 1 ص 130.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت