فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 177

لقد قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يَغُرَّنك يا محمد، أنك لقيت قومًا أغرارًا، لا علم لهم بالحرب فانتصرت عليهم، فإذا أنت حاربتنا فستعرف مَن الرجال"، وكان ذلك مجرد كلام باللسان، إن التاريخ يحمل لنا ما حدث لهم جميعًا، لقد هزمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد هذا أرادوا أن يرتفعوا عن الأذى إلى الضرر الحقيقي، فلم يمكنهم الله؛ لأن الحق يقول: {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} [آل عمران: 111] ، فإن أراد أهل الفسق أن يُصَعِّدوا الأذى للمؤمنين ليوقعوا ضررًا حقيقيًّا، فإن الكافرين يولون الأدبار أمام المؤمنين، فهزيمتهم أمر لا مناص منه ... ، {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} .

إن هذا القول الحكيم يحمل قضية بعيدة عن الشرط والجزاء، إنها حكم من الله على أهل الفسق بأنهم لا يُنصرون أبدًا، سواء أقاتلوا أم لم يقاتلوا، إنها قضية ثابتة منفصلة، وليست معطوفة على الشرط، فعلَّة عدم النصر ليست القتال، ولكنها الكفر ... ، والحق أورد حرف"ثم"وهو يفيد التراخي، وهذا يعني أنهم لا ينتصرون عليكم أيها المؤمنون حتى لو استعدوا بعد فترة لمعركة يردُّون بها على توليهم الأدبار ... ، والإيضاح يُؤكِّد أنهم - كأهل الكفر - لا ينتصرون لا بذواتهم، ولا يُنصَرون بغيرهم أيضًا) [1] .

فإذا كان هذا هو كلام الشيخ الشعرواي، إذًا فماذا حدث للمسلمين في أُحُد؟!

يستطرد الشيخ قائلًا:

(إن رأيتم - أيها المسلمون - نصرًا للكافرين عليكم منهم، أو بتعصب قوم لهم، فاعلموا أنكم دخلتم معهم على غير منهج الله ... ، والهزيمة تحدث عندما لا نكون جندًا لله؛ لأن الله ضمن النصر والغلبة لجنوده، فقال: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 173] ، فإذا لم نغلِب فتأكدوا أننا لسنا من جنود الله) ، والمعنى ليس على إطلاقه؛ أي إن الهزيمة لحقت بجيش رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل ما لحق بهم من المنافقين أمثال عبدالله بن أُبَي، وما لحق بهم من طالبي المَغْنَم والدنيا، فلم يكن النصرُ لهم هذا اليوم رغم ما معهم من جنود صادقين؛ أمثال أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وإن أصاب عثمانَ بن عفان في هذه الغزوة الوهنُ وفرَّ مع الفارِّين، بَيْدَ أن الله غفر لهم جميعًا، ولذلك لم يكن بعدُ قد آن الأوان لأن تكون هذه الفئة هي المنصورة إلا بعد أن تجتاز مرحلة التمحيص والابتلاء.

ثامنًا: العلو على الكافرين:

قال تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [آل عمران: 112] .

(1) تفسير الشعراوي ج 1 ص 1129 - 1132.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت