فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 177

فالمسلم دائمًا يعلو على الكافرين حتى لو وقع في أسرهم، لقوله تعالى: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] ، والكافرون دائمًا مضروب عليهم المسكنة، أما الذلَّة، فهي مضروبة عليهم ما لم يرتكنوا إلى عهد ذمة أو استئمان من المسلمين، وذاك هو عهد الله، أو يرتكنوا لفئة من الناس لها عهد مع المسلمين، فيمسكوا أو يستمسكوا بعهدها ليخرجوا من الذلة.

قال الشعراوي:

(ولنا أن نلاحظ أن الذلة له استثناء، فهم يَنالون العزة لو كانوا بجانب حبل من الله أو حبل من الناس، أما المسكنة، فلا استثناء فيها ... ؛ لأن المسكنة أمر ذاتي في النفس، إنهم مساكين بأمر من الله، أما الذلة، فقد يأتي لهم من ينصرهم ويقف بجانبهم؛ فالذلة أمرٌ من خارج، أما المسكنة، فهي في ذاتيتهم، وعندما تكون المسكنة ذاتية، فلا إنقاذ لهم منها؛ لأنه لا حبل من الله يأتيهم فينجيهم منها، ولا حبل من الناس يعصمهم من آثارها) ، ولنا أن نقول: إنهم إذا خرجوا من الذلة لم يرتقوا إلى مرتبة العزة؛ لأنها قاصرة على المؤمنين، لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8] ، فتقديم الخبر - شبه الجملة - على المبتدأ أفاد الحصر والقصر، وإنما بهذا العهد يصلون إلى مرتبة الصغار فحسب، لقوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] ، والصَّغار المقصود في السياق هو نزولُهم على حكم الإسلام واحتكامهم لشرعه ما لم يدخل في صميم عقيدتهم وشرائعهم؛ بحيث يكون النظام العام للبلاد هو الشريعة الإسلامية، وفي ذلك تضمين لحقوقهم بعهد الله ديانة، قبل أن تضمن وضعًا، فهذا من قبيل الاستسلام لأن يُحكموا بشرع الله تعالى فيما عدا ما يحتكمون إليه فيما بين بعضهم البعض.

والإسلام يدعو إلى العهد والسلام في إطار مبدأ المواطنة، لكن إذا كان لهذا المبدأ مزايا وضمانات، فإنه يمثل في شقه الثاني أعباءً وتكاليف، فلا يستفيد من مزاياه إلا مَن استعد لأعبائه وتكاليفه التي تُؤكِّد على مبدأ الولاء للدولة والخضوع لأحكامها وقوانينها، وعدم الخروج عليها، فهؤلاء الذين ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا هم الذين خرجوا على نظامها الإسلامي ودستورها الرباني، فألزمهم الله تعالى الذلة والصغار أينما كانوا، فلا يأمنون إلا بحبل من الله؛ أي: بذمة من الله، ويتمثل ذلك في عقد الذمة وضرب الجزية عليهم وإلزامهم أحكام الملة، والحبل من الناس؛ أي: أمانهم، كما في المهادن والمعاهد والأسير، إذا أمنه واحد من المسلمين، ولو كان امرأة أو عبد، على أحد قولي العلماء، قال ابن عباس: (أي بعهد من الله وعهد من الناس) [1] .

ولذلك قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (( أقركم ما أقركم الله به) [2] .

(1) راجع في ذلك تفسير ابن كثير للآية رقم 112 سورة آل عمران.

(2) رواه البخاري ج 3 ص 1155 رقم 2996، تحت باب إخراج اليهود من جزيرة العرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت