الأصل أن الذي يدخل الإسلام لا بد وأن يدخله عن اقتناع، وهو ما يعني أنه قبل أن يدخل الإسلام، فهو على علم تام ورضاء كامل أنه لن يرتد عليه، وإذا أراد أن يرتد عليه، فإنه يعلم مسبقًا أنه سوف يُقتَل حدًّا، ومن ثَمَّ فلا يدخل هذا الدين إلا مَن هو مُدرِك لما يفعله، ما لم يعتذر ويقيل نفسه ويفارق بلاد المسلمين، كما فعل الأعرابي الذي أصابته وعكة، وعليه، فإن هذا الأصل هو الذي يُحكَم به ما لم يثبت العكس، وهو ما حكم به معاذ بن جبل دون أن يبحث عن أعذار أو أسباب للإقالة، فعن أبي موسى الأشعري: لَمَّا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا موسى أن يذهب إلى اليمن، ثم تبعه معاذ بن جبل، (فلما قدم عليه - معاذٌ - ألقى له وسادة، قال: انزل، وإذا رجل عنده موثق، قال ما هذا؟ قال كان يهوديًّا فأسلم ثم تهود، قال: اجلس، قال: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله، ثلاث مرات، فأمر به فقتل، ثم تذاكرا قيام الليل، فقال أحدهما: أما أنا، فأقوم وأنام وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي) [1] .
وفي رواية لأبي داود: وكان قد استتيب قبل ذلك [2] .
قال الصنعاني: (الحديث دليل على أنه يجب قتل المرتد، وهو إجماع، وإنما وقع الخلاف هل تجب استتابته قبل قتله أو لا؟ ذهب الجمهور إلى وجوب الاستتابة لما في رواية أبي داود هذه) [3] .
وقال النووي: (فيه وجوب قتل المرتد، وقد أجمعوا على قتله، لكن اختلفوا في استتابته، هل هي واجبة أم مستحبة؟ وفي قدرها، وفي قبول توبته، وفي أن المرأة كالرجل في ذلك أم لا؟
فقال مالك، والشافعي، وأحمد، والجماهير من السلف والخلف: يستتاب، ونقل ابن القصار المالكي إجماع الصحابة عليه.
وقال طاوس، والحسن، والماجشون المالكي، وأبو يوسف، وأهل الظاهر: لا يستتاب ولو تاب نفعته توبته عند الله تعالى، ولا يسقط قتله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (مَن بدَّل دينه فاقتلوه ) ) .
وقال عطاء: إن كان ولد مسلمًا لم يستتب، وإن كان ولد كافرًا فأسلم ثم ارتد يستتاب.
واختلفوا في أن الاستتابة واجبة أم مستحبة، والأصح عند الشافعي وأصحابه أنها واجبة، وأنها في الحال، وله قول إنها ثلاثة أيام، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وعن علي أيضًا أنه يستتاب شهرًا) [4] .
(1) رواه البخاري ج 21 ص 242 رقم 6412.
(2) رواه أبو داود في سننه ج 11 ص 432 رقم 3791 وصححه الألباني: صحيح وضعيف أبي داود 9 ص 355 رقم 4355
(3) سبل السلام لمحمد بن إسماعيل الصنعاني ج 3 ص 264.
(4) شرح النووي على مسلم ج 12 ص 208.