فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 177

تؤكد أن صفة المرابطة لا تقتصر على من سلف ذكرهم ممن هم موصوفون بالصفات التي ذكرناها ممن هم معروفون من الأمة الإسلامية، بل إن من أهل الكتاب من احتذى حذوهم واقتدى بهم وتأسى بسنة نبيهم، وماتوا على ذلك، فأخذوا أجرهم دون أن يُكفَرُوه، فالله سبحانه هو أعلم بمن اتقى حتى لو لم يكونوا معروفين عند الناس.

ثانيًا: وجوب الفقه بأن النصر صبر ساعة:

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [آل عمران: 116، 117] .

يؤكِّد المولى سبحانه حقيقة لا بد وأن يوقن بها المرابطون في سبيل الله، وعليهم أن يثقوا بأن الله معهم وهو وليُّهم على الكافرين، وأنه مهما جمع الكفَّارُ من الأموال وحشدوا من الجند والأولاد، فإن ذلك كله سوف يؤول إلى بوار، ولن يغني عنهم شيء من عذاب الله، ولن ينفعهم في الصد عن سبيل الله، وقد ضرب الله بهم مثلًا بالزرع الذي تهلكه ريح فيها برد شديد، قال عطاء: برد وجليد [1] ، فهو لم يهلك من النار كما هلكت جنة المرائين تلك الصورة التي صورتها سورة البقرة من قبل، وإنما هلك بريح فيها برد شديد، فنظير ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36] ، فالصِّرُّ الذي يهلك الحرث من البرد الشديد، بخلاف النار التي تهلك الحرث بالحرق؛ ذلك أن المرائي يصلح العمل بالإخلاص، من ثَمَّ لديه فرصة لأن يعيد زرع الحرث مرة أخرى في تلك الأرض المحروقة، والتي لا تزال خصوبتها فيها، بينما مَن يهلك زرعه بالصر، فإن حسرته عليه شديدة؛ إذ لا يمكن أن يعيد زرعه مرة أخرى إلا بعد أن ينتهي هذا الصرُّ، وتمضي مدة زمنية كافية تستعيد فيها الأرض خصوبتها، إذًا عليهم لكي يصلحوا زرعهم أن ينفقوا أموالهم في بيئة صالحة للزراعة، وهو ما يعني أن تتغير ظروف الطقس والبيئة أولًا حتى يجنوا ثمار ما ينفقوه، وكأن الكفر هو ذلك الطقس السيئ الذي أفسد زرعهم، فإن أرادوا أن يُصلِحوه فعليهم أن يدخلوا في الإسلام حيث يكون الإسلام هو البيئة المواتية والملائمة لما ينفقوه لأجل الزرع.

فإذا أيقن المسلمون هذه الحقيقة دفعهم ذلك إلى استمرار رباطهم في سبيل الله تعالى، لعلمهم أن النصر صبر ساعة، وهذا هو سر تميزهم معنويًّا في معركتهم مع الكافرين، والكفار وإن حاولوا إنفاق أموالِهم في أعمال الخير ليحسنوا صورتهم أمام الناس، فإن صورتهم لن تتحسَّن مهما فعلوا، فإنفاقهم إلى بوار، والصورة التي

(1) تفسير ابن كثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت