فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 177

ذات الله سبحانه وذات المسيح عليه السلام، كما يخلطون بين إرادة الله وإرادة المسيح أيضًا، ويختلفون فيما بينهم على هذه التصورات اختلافًا عنيفًا يصل في أحيان كثيرة إلى حد القتل والقتال، هنا يُبيِّن الله لأهل الكتاب وللجماعة المسلمة علَّة هذا الاختلاف، إنه ليس اختلافًا عن جهل بحقيقة الأمر، فقد جاءهم العلم القاطع بوحدانية الله، وتفرد الألوهية، وبطبيعة البشرية، وحقيقة العبودية، ولكنهم إنما اختلفوا {بَغْيًا بَيْنَهُمْ} ، واعتداءً وظلمًا، حينما تخلَّوا عن قسط الله وعدله الذي تتضمَّنه عقيدته وشريعته وكتبه ... ، كانت التيارات السياسية تخلق هذه الاختلافات المذهبية، وليس هذا إلا نموذجًا مما تكرَّر وقوعه في حياة اليهودية والمسيحية، وقد رأينا كيف كانت كراهية مصر والشام وما إليهما للحكم الروماني سببًا في رفض المذهب الروماني الرسمي، والتمذهب بمذهب آخر!

كما كان حرص بعض القياصرة على التوفيق بين أجزاء مملكته سببًا في ابتداع مذهب وسط، يظن أنه يوفِّق بين الأغراض جميعًا! كأنما العقيدة لعبةٌ تستخدم في المناورات السياسية والوطنية، وهذا هو البغي أشنع البغي، عن قصد وعن علم!

ثانيا: إعلان الإسلام عند محاجَّة أهل الكتاب:

قال تعالى: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ} [آل عمران: 20] ، فالمحاجاة أسلوبٌ من أساليب البرهان العقلي، وتقوم على الاتساق بين الحجج المختلفة، والربط بينها منطقيًّا، لتلي الحجةُ الحجةَ، حتى ننتهي إلى البرهان العقلي للمسألة المطلوب إثباتها، وهو أسلوب يعتمد على المنطق العقلي، أو الفكري، أو الثقافي للإنسان؛ حيث تتداخل أحيانًا الثقافات الموروثة لتنتهي بالعقل البشري إلى نتائج غير صحيحة لو اعتمد على الفكر فحسب.

والإسلام يفتح أبواب المحاجَّة والبرهان في إثبات وحدانية الله تعالى بأسلوب أوقع تأثيرًا وأشد صدقًا، فهو يُقِيم الدليل من حيث الواقع العملي للمسلمين، وذلك بإظهار شعائر الإسلام لمن يريد إقامة الحجة على الله تعالى، فيحاجهم الله تعالى برسله، وأتباع الرسل الذين يتمثَّل الإسلام في عقيدتهم الراسخة وعباداتهم الخاشعة وأخلاقهم العالية، في حين أن أهل الكتاب لا يريدون أن يدخلوا في مجادلة حقيقية مع المسلمين؛ لأنهم يُدرِكون أن حججهم واهية، يخبرنا المولى عن مقالتهم: {قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 76] ، وإنما هم يجادلون لأجل كسب مزيد من الوقت حتى لا ينتشر الإسلام.

يقول سبحانه: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى: 16] ، فأنَّى لهم بأن يأتوا بحجة مقنعة، وقد استجيب لله تعالى ورسوله، فعن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت