المطلب الثالث
أثر المعجزات في تثبيت المؤمنين وكشف أصحاب الأهواء
قوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ... إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [45 - 60] .
كان في تبشير مريم عليها السلام بمعجزةِ خلق عيسى عليه السلام - بالرغم من أنه لم يمسَسْها بشر - تخطٍّ لحدود الأسباب كذلك؛ إذ لم يقتصر الأمر على تفعيل الأسباب فحسب، وإنما تتحقق المعجزات المؤيِّدات للحق وأهله في أحلك لحظات التكذيب وتقتيل الأنبياء، فلما كان بنو إسرائيل لا يتورَّعون عن قتل أنبيائهم بحجة أن ما معهم من معجزات لم يكشف لهم عن رؤية الله، أو لم تتعدَّ حدود ما غاب عن أهل الدنيا مما هو مدَّخَر للآخرة، فإن المولى سبحانه جعل في خلق عيسى بلا أب، وكلامه في المهد لتبرئة أمه من أن يكون مسها بشر بلا زواج، ونفخه في الطين لإحياء الموتى بإذن الله، وشفاء المرضى بإذن الله، وإطلاعهم على ما غاب عنهم مما كتبه الله تعالى فيما يستقبل من رزقهم ومطعمهم ومشربهم - كل ذلك كافٍ لقطع كل حجة عليهم أن يقتلوه إلا بعد أن يقيموا الحجة على أنفسهم أنهم يقتلونه بغيًا وظلمًا وعدوانًا.
لقد كانت الحاجة داعيةً أن يأتي نبي جديد لبني إسرائيل بمعجزةٍ يشقُّ عليهم إزاءها أن يقتلوه لانبهارهم بها، فكلما أتاهم نبي كذَّبوه وقتلوه، وليس قتلهم ليحيى بن زكريا ببعيد من محاولتهم قتل عيسى ابن مريم الفاشلة، ومن ثَمَّ حفظ الله نبيه عيسى ابن مريم ليكون حجَّةً قاطعة عليهم بأن الله تعالى يحفظ أنبياءه، وقادر على أن يَحُول بينهم وبين بني إسرائيل، بَيْدَ أن الحكمة من خلقه تجلَّت لَمَّا تكلم في المهد، وأفصح عن أنه ليس له والد: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 29 - 33] ، وهو الأمر الذي جعل بني إسرائيل في ذهولٍ من أمره؛ حيث ثبتت براءة مريم بنت عمران بشهادة طفل رضيع، فإذا هم صدقوه في المهد، أليس أحرى بهم أن يُصدِّقوه وهو رجل؟ وقد عزَّز الله تعالى على يدَيْه المعجزات، فأعطاه من المعجزات ما كفى بني إسرائيل عن طلب غيرها، حتى إنه أضحى يُخبِرهم بالغيب بما يأكلون وما يدَّخرون بإذن الله، وهو أشد ما يحتاجه بنو إسرائيل للتمول والاقتصاد، ويبرئ المرضى بإذن الله، وهو أقصى ما يتمنونه لأجل الصحة والمعافاة، ويخلق لهم من الطين طيرًا، ليحقق لهم أقصى درجات الإبهار والتسلية، فكانت معجزاته أشبهَ بقدرة الله تعالى في خلقه وتدبير رزق عباده وشفائهم من كل داء، الأمر الذي أوقعهم في الفتنة به، فعبدوه من دون