فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 177

الكافرين، فلا يملكون إلا مدافعته بالقتل، وأنى لهم هذا؛ إذ لو نالوا منه فقد نال الشهادة، ولم ينالوا من جموع المسلمين ضرهم، لقوله تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} [آل عمران: 111] ؛ إذًا خطتُهم لكي تنجح لا بد وأن يُمرِّروها عبر مَن يسمع لهم ويتأثر بهم ويطيعهم، وقد تناقل الخلف عن السلف النصيحة بأن"لا تستضيئوا بنيران أهل الشرك"؛ أي:"لا تشاوروهم في أموركم" [1] ؛ لأنهم ليسوا أمناء في النصيحة، وقد نطق ظاهر القرآن بذلك، ولا حاجة إلى تأويل ما نطق به كتاب الله في أمرهم، ولذلك وبَّخ القرآن مَن يطيعهم بأنه قاب قوسين أو أدنى من الكفر، مستنكرًا عليه ذلك بقوله تعالى: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101] ، فما المعنى أن تطيعوهم ومعكم كتاب الله تعالى وفيكم رسول الله إلا الكفر بالله ورسوله؛ لأن الإيمان بالكتاب والسنة يجعلُ المسلم يرجع في كل نازلةٍ ومسألة لكتاب الله وحكم رسول الله، فإن لم يجد لقصورٍ في الاستقراء أو الفهم، فإنه يجتهد في ضوئِهما، أما أن يلين لأهل الكفر ويتسضيء بنارِهم، فلا يَسْلم مسلكه من أن يحكم على نفسه بأن ما أنزله الله من كتاب وما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من الحكمة كافٍ لأن يحل مشكلته أو يعالج حاجته، قال تعالى: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49] ، ولذلك كانت الدعوةُ من الله تعالى بأسلوب النداء للذين آمنوا بأن يتَّقوا الله حق تقاته، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] ، فالأمر جد خطير لا هزل فيه، فهو أمر دينٍ، لا يُقبَل فيه مجرد تقوى إلا إذا كانت بحقها، ولا يكون ذلك حال تميع المؤمن مع أهل الكتاب لينقل عنهم ويأتمر بأمرهم، وعنده كتاب الله فيه الهدى والنور.

ثانيًا: الاعتصام الجماعي على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم السبيل للنجاة من النار:

قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] ، فقدِ استُعِيرتْ لفظةُ حبلٍ للدلالةِ على الدِّينِ؛ وذلكَ لأنَّ الحبلَ يربطُ شيئًا بشيءٍ، والدين يصلُ الناسَ بالله تعالى ويربطهم به [2] .

ففي الآية تشبيه للقرآن بالحبل، واستعير اسم المشبه به - وهو الحبل - للمشبه، وهو (القرآن) ، على سبيل الاستعارة التصريحية، والجامع بينهما النجاة في كلٍّ، ويظهر جمال الاستعارة التصريحية هنا في المطابقة التامة بين القرآن الكريم وحبل الله تعالى [3] .

(1) رواه النسائي مرفوعا ج 5 ص 454 رقم 9535.

(3) الشاعر الفلسطيني: إبراهيم طوقان - الصورة البلاغية من كتاب رب البرية العدد 33 - المتوفَّى سنة 1941 م: منتديات استار تيمز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت