فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 177

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( وإني تارك فيكم ثقلينِ أحدهما كتاب الله عز وجل هو حبل الله، مَن اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة ) ) [1] .

قال ابن قيم الجوزية:

(فالاعتصام به نوعان:

اعتصام توكل واستعانة، وتفويض ولجء وعياذ، وإسلام النفس إليه والاستسلام له سبحانه.

والثاني اعتصام بوحيه، وهو تحكيمه دون آراء الرجال ومقاييسهم ومعقولاتهم وأذواقهم وكشوفاتهم ومواجيدهم، فمن لم يكن كذلك فهو منسلٌّ من هذا الاعتصام، فالدين كله في الاعتصام به وبحبله علمًا وعملًا وإخلاصًا واستعانة ومتابعة واستمرارًا على ذلك إلى يوم القيامة) [2] .

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوما يتدارؤون في القرآن، فقال: (( إنما هلك مَن كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضًا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكِلُوهُ إلى عالمه ) ) [3] .

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، لا يخلونَّ رجل بامرأة - ثلاث مرار - إلا كان ثالثهما شيطان، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ) ) [4] .

فإذا كان الاعتصام المقصود بالآية هو الاعتصام الجماعي، وقد أوضح عن ذلك الحديث المتقدم ذكره، الأمر الذي يحتاج لوصف ظاهر منضبط لهذه الجماعة حتى يكون حاكمًا لمن التزمها ومَن افترق عنها، فإذا استطردنا في كلام العلماء من قولهم التمسُّك بالسنة والفهم الصحيح عن سلف الأمة وسلامة الاعتقاد ... إلى آخر ذلك من أوصاف للفِرْقة الناجية، لن نصل إلى معيار ظاهر ومنضبط لتمييز هذه الجماعة؛ نظرًا لأن تلك الأمور في الغالب من البواطن التي لا تبوح عن ذاتها إلا بالاختبار والمساءلة، والإسلام لا يوجب الكشف عما في الصدور، ولا اختبار الناس في معتقداتهم إلا حال لحوقهم لأول مرة بدار الإسلام وإعلان إسلامهم، كما في

(1) رواه مسلم ج 12 ص 134 رقم 4425.

(2) مدارك السالكين ج 3 ص 323

(3) رواه ابن ماجه، وأحمد في مسنده ج 13 ص 391 رقم 6453، وحسنه الألباني: مشكاة المصابيح ج 1 ص 51 رقم 237.

(4) رواه النسائي في سننه الكبرى ج 5 ص 388 رقم 9225، وصححه الألباني: السلسلة الصحيحة ج 1 ص 792 رقم 430 - قال الألباني في إرواء الغليل ج 6 ص 215: أخرجه الترمذي 2/ 25، والحاكم 1/ 114، والبيهقي 1/ 91، من طريق محمد بن سوقة عن عبدالله بن دينار عنه، وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح غريب"، وقال الحاكم:"صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت