لم يكن مسلمًا فأسلم ثم ارتد على الإسلام تحايلًا، فحيلته هذه تستوجب الحد، كذلك ولو لم يكن محاربًا بالسيف فإنه يكون محاربًا باللسان والفتنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما الرجل - الكافر الذي لم يسلم ابتداءً - فما قتلته لمجرد كفره بل لكفره وجراءته، ولهذا لا أقتل مَن كان عاجزًا عن القتال كالشيخ الهرم ونحوه، وأما الكفر بعد الإسلام، فعلة أخرى مبيحة للدم، ولهذا قُتِل بالردة مَن كان عاجزًا عن القتال كالشيخ الكبير، وهذا قولُ مالكٍ وأحمد) [1] ، و تفصيل ذلك كما يلي:
قد يقع ممن أظهر الإسلام ردة بفعله، ولا يزال يتمسك بكونه مسلمًا، وقد تجاوز النبي صلى الله عليه وسلم عنهم؛ لئلا تقع فتنة بين المسلمين، لئلا يُكفِّر بعضهم بعضًا بلا ضابط ولا معيار ثابت، ولا حكم بينهم في ذلك، ولا استناد للأدلة الظاهرة، فعن جابر رضي الله عنه يقول:"غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثاب معه ناسٌ من المهاجرين حتى كثروا وكان من المهاجرين رجل لعاب فكسع أنصاريًّا، فغضب الأنصاري غضبًا شديدًا حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( ما بال دعوى أهل الجاهلية؟! ) )، ثم قال: (( ما شأنهم؟ ) )، فأُخبِر بكسعة المهاجري الأنصاري، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( دعوها فإنها خبيثة ) )، وقال عبدالله بن أُبَي ابن سلول: أقد تداعوا علينا، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر: ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث، لعبدالله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه ) ) [2] ."
ثانيًا: الردة المجردة من القرائن المغلظة والمقترنة بالإعذار والاعتذار:
عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن أعرابيًّا بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فأصابه وعك، فقال: أقِلْني بيعتي، فأبى، ثم جاءه فقال: أقِلْني بيعتي فأبى، فخرج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( المدينة كالكير، تنفي خبثها وينصع طِيبُها ) ) [3] .
هنا لم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم له في الردة، ولم يقله من بيعته، كما لم يحده؛ لأنه لم يقرن ردته بما يستوجب عقوبته بالحرابة، فلم يسب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتحايل على المسلمات ... إلخ، ولكنه
(1) مجموع الفتاوى ج 18 ص 274.
(2) رواه البخاري ج 11 ص 343 رقم 3257.
(3) رواه البخاري ج 22 ص 151 رقم 6669.