فيه شبهة اعتداءٍ على المسلمين في أعراضهم والاطِّلاع على عوراتِهم، ومن ثَمَّ كان عليه الحذر قبل أن يدخل الإسلام ألا يدخله إلا عن طواعية واختيار وإرادة حرَّة، لكيلا تُسوِّل له نفسُه أن يتلاعب بدين الله ويستهزئ بشرعه وحدوده، وإلا اعتبرته الشريعة الإسلامية من المحاربين الذين يجب عليهم حد الردة أو الحرابة [1] .
ومن هنا فرَّق شيخ الإسلام ابن تيمية بين نوعين من الردة، فقال:
(الردة نوعان: ردة مجردة وردة مغلظة، والتوبة إنما هي مشروعة في الردة المجردة فقط دون الردة المغلظة) [2] .
الردة المجردة التي تقبل معها التوبة، والردة التي فيها محاربة الله ورسوله والسعي في الأرض بالفساد، لا تقبل فيها التوبة قبل القدرة [3] .
كما أن العلماء فرَّقوا في أمر البدعة بين المغلظة والمخففة، كما فرقوا في المبتدعين بين الداعية وغير الداعية، وكذلك يجب أن نفرق في أمر الردة بين الردة الغليظة والخفيفة، وفي أمر المرتدين بين الداعية وغير الداعية، فما كان من الردة مغلظًا وكان المرتد داعية إلى بدعته بلسانه أو بقلمه، فالأولى في مثله التغليظ في العقوبة، والأخذ بقول جمهور الأمة وظاهر الأحاديث، استئصالًا للشر وسدًّا لباب الفتنة، وإلا فيمكن الأخذ بقول النخعي والثوري، وهو ما روي عن الفاروق عمر، ذلك أن المرتد الداعية إلى الردة ليس مجرد كافر بالإسلام، بل هو حرب عليه وعلى أمته، فهو مندرج ضمن الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا، والمحاربة - كما قال ابن تيمية - نوعان: محاربة باليد ومحاربة باللسان، والمحاربة باللسان في باب الدين قد تكون أنكى من المحاربة باليد، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقتل مَن كان يحاربه باللسان، مع استبقائه بعض مَن حاربه باليد، وكذلك الإفساد قد يكون باليد وكذلك الإفساد قد يكون باللسان، وما يفسده اللسان من الأديان أضعاف ما تفسده اليد، فثبت أن محاربة الله ورسوله باللسان أشد، والسعي في الأرض بالفساد باللسان أوكد" [4] ."
ولعلنا نذكر بعضًا من صور الردَّة التي ظهرت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والتي يَبِينُ منها أن العلة من حد الردة ليس مجرد الكفر، وإنما الجراءة على محاربة المسلمين من وجه، فهذه علة، وينضم إليها علة أخرى لمن
(1) عماد السيد محمد إسماعيل الشربيني: عقوبتا الزاني والمرتد ودفع الشبهات ج 1 ص 120.
(2) الصارم المسلول لابن تيمية ج 1 ص 462. الناشر: دار ابن حزم - بيروت.
(3) الصارم المسلول لابن تيمية ص 368، مطبعة السعادة، بتحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد، وص 362 الناشر دار ابن حزم بيروت.
(4) الصارم المسلول لابن تيمية ص 392 دار ابن حزم بيروت.