فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 177

للنبي صلى الله عليه وسلم، فعاد نصرانيًّا، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله فدفنوه فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا، فألقوه فحفروا له، فأعمقوا فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم، فألقوه فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه [1] .

وقال العلماء في قوله: (كان يقول: ما يقرأ محمد إلا ما كتبت له) :

"ليس فيه - أي قوله - دليلٌ على أنه قرآن، وليس كل مقروء قرآنًا، وكذا لا يلزم أنه كان يقرأ بنفسه، ولكن كان يأمر به فيقرأ عليه ليعلم الناس فيعلموا ما فيه قبل أن ينفذه إلى مَن يريد إنفاذه إليه" [2] .

وفي الحديث إشارةٌ إلى أنه هرب، لأجل خوفِه من العقاب، ولذلك شُرِع حد الردة لمن دخل الإسلام تحايلًا، أو جمع مع الردة جرائم أخرى؛ كسَبِّ الله وسبِّ الرسول، وقتال المسلمين، فتسمى بالردة المغلظة، بَيْدَ أن الآية التي نقف أمام تلاوتها تتحدَّث عن الردة تحايلًا، وقد تضم معها بعض الأمور التي تغلظ فيها الردة؛ كالدعوة إلى الردة والزندقة، والتحزب على المسلمين، والخروج عليهم ... إلخ، ففي قوله تعالى عنهم: {وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72] ، إشارة إلى دعوتِهم المستترة للردة عن الإسلام.

وبلا شكٍّ أن من اليسير إثبات الردة المغلظة بإثبات القرائن التي شددت في حد الردة؛ كالزندقة، والسحر، والدعوة للردة عن الإسلام ... إلخ.

أما إثبات الردة المخففة؛ أي المجردة، فسوف نذكر حديثًا نُؤكِّد فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُوافِق على إثباتها ولم يقل الأعرابي عن بيعتِه لعدم إقرار ردَّته، وأيًّا كان الأمر، فإن مجرد الردة ضربٌ من ضروب التحايل على الدين، ما لم يكن المرتد مسلمًا بمحض الصدفة، أو أن يكون قد أسلم ولم يصح إسلامه، كأن يسلم ولا يدرك شيئًا عن الإسلام، أو يردد الشهادتين دون أن يفقهَ معناها، فإنه يعذر ويستتاب، ولذلك كثير من العلماء لا يوقع حدَّ الردة على الصبي ما لم يحتلم؛ إذ يشترط لوجوب الحد أن يثبت ابتداءً إسلام المرتد طوعًا واختيارًا، فذلك الذي يدخل الإسلام عن طواعية واختيار يرتفع عنه الحظر في كثير من الأمور، فله أن يخطب المؤمنات، ويطلع عليهن لأجل نكاحهن، ولا يحل له ذلك إن كان مشركًا، ومن ثَمَّ فإن إسلامه ثم ردته

(1) رواه البخاري ج 11 ص 449 رقم 3348.

(2) بيان مشكل الآثار للطحاوي ج 8 ص 67 - المعتصر من المختصر من مشكل الآثار ج 2 ص 50، تحقيق ومراجعة مجموعة من علماء الدولة العثمانية الإسلامية: الشيخ محمد طه الندوي، والسيد أحمد الله الندوي، والشيخ محمد عادل القدوسي، والسيد حسن جمال الليل المدني، والشيخ أحمد بن محمد اليماني، وأمعن النظر فيه الشيخ عبدالرحمن بن يحيى اليماني مصحح دائرة المعارف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت