في صورة المسيح عيسى ابن مريم، وإثبات أن له صفةَ القيام يستتبع أن له إرادة نافذة، وهو ما ينفي أن يُصِيبه الضر من هذا الوجه.
قال ابن تيمية:"الحي مستلزم لصفاته وأفعاله، وهو من أعظم البراهين العقلية على ثبوت صفات الكمال، والمصحح لها، والمستلزم ثبوتها ونفي نقيضها" [1] .
قوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [آل عمران: 3، 4] .
فالإسلام عقيدةٌ وشريعةٌ، وهو باعتباره عقيدةَ التوحيد أساسَه، وباعتباره شريعةَ الإسلام منهجَه، ومن ثَمَّ عُنِيَت سورة آل عمران في هذا الشأن بتوكيد وحدة الدين، رغم تعدد الرسالات والكتب المنَزَّلة، ويتَّضِح ذلك بتأصيل المفهوم الإيجابي للتوحيد بشقَّيْه:
العقائدي، بإثبات صفات الكمال لله تعالى في قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} .
والتشريعي بالتأكيد على وحدة أصول المنهج في جميع الرسالات، في قوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} [آل عمران: 3، 4] .
فبعد أن شرعت السورةُ في وصف القرآن الكريم بالفرقان، باعتباره الذي يفرق بين المتَّبِعين للمنهج الحق والزائغين عنه، وبعد أن كثُر الزائغون عن الحق والمُحرِّفون لِمَا في التوراة والإنجيل من أحكام - أكَّدت أنه سبحانه قد أذِن بنسخ القرآن للكتب السابقة، التي يكاد لم يبقَ منها إلا اسمها، بعد أن طالها التحريف والتبديل، رغم تصديقه لها على سبيل الإجمال لا التفصيل.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تُصدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكذِّبوهم، وقولوا: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} ) )الآية [2] ، الأمر الذي أثار حفيظة الذين كفروا، حاسدين أمر المتَّبِعين لهذا الدين، ومحاولين صدَّهم عن سبيل الله."
وجديرٌ بالتنويهِ أن نعلم أن الكتب السماوية اشتركت في كلمةٍ سواء، دعا الإسلام إليها أهل الكتاب، ألا وهي (لا إله إلا الله) ، ومُؤدَّاها أن أصحاب هذه الدعوة هم الذين سيَرثُون الجنة، ولن يدخلوها إلا إذا قدَّموا
(1) ابن تيمية: قاعدة في المحبة ج 1 ص 197.
(2) رواه البخاري ج 13 ص 410 رقم 4125.