يكفر بالذنب) [1] ، فهو يقصد من ذلك أنهم وإن تفرقوا واختلفوا واستحقوا بذلك النار، إلا أنهم لا يزالون من المسلمين، بَيْدَ أنهم خرجوا عن الجماعة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159] .
والخلاصة أن كل نبي جاء بمعجزة يؤمن بها مَن تجرَّد قلبه عن الكبر، ويكفر بها مَن كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] ، ومعجزة الإسلام في منهجه وجماعته، فمَن أبصر هذه المعجزة وآمن بها فهو من الفئة الناجية، ومَن لم يبصرها أو كذب بها فليختَر لنفسه أي فرقة من الاثنتي وسبعين فِرقةً.
قال تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ * كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 109، 110] .
قال ابن عاشور:
(والمقصود بالخيرية الأولى في {كُنْتُمْ خَيْرَ} المسلمين كلهم في كل جيل ظهروا فيه، ومعنى تفضيلهم بالأمر بالمعروف مع كونه من فروض الكفايات لا تقوم به جميع أفراد الأمة أنه لا يخلو مسلمٌ من القيام بما يستطيع القيام به من هذا الأمر، على حسب مبلغ العلم ومنتهى القدرة) [2] .
والمقصود من الخروج هو خروج هذه الأمة في سبيل الله تعالى، سواء أكانت هجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام فيخسرون بسببها أموالهم وديارهم لينضموا إلى صفوف المرابطين في سبيل الله.
كما روي عن ابن عباس في قوله {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ، قال: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والذين هاجروا معه إلى المدينة [3] .
أو لأجل أن يفتحوا بلادًا غير بلاد المسلمين، فينقلب أهلها مسلمين عندما يعيشون بينهم حتى لو كانوا أسرى حربٍ.
كما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال: (خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام) [4] .
(1) الفتاوي الكبرى لابن تيمية ج 3 ص 460.
(2) التحرير والتنوير ج 3 ص 188.
(3) رواه أحمد في مسنده ج 1 ص 324 رقم 2989.
(4) رواه البخاري ج 14 ص 28 رقم 4191.