وإن لم يكن لهم ذلك، فلا يعدم في المسلمين مَن يحمل همَّ قضية الدين والجهاد بالمال والنفس لأجله، وإن تعددت الأقطار، وإن تباينت الأعراف، ومن ثَمَّ فإنه يأخذ في إطار هذه البيعة من العمل ما يُسقط به عن نفسه مسؤوليةَ القيام بواجب حفظ الدين، والدعوة إليه، وبالجملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن المسلم يعيش في إطارِ الجماعة دائمًا، سواء صغُرَت فتمثَّلت في جماعة بيتِه، أو كبرت شيئًا فشيئًا فتمثَّلت في جماعة مسجده، أو كبرت أكثر فأكثر، فتمثلت في جماعة المسلمين في حيِّه أو قريته حتى تصير الجماعة في دولتِه.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( عليكم بالجماعة، وإياكم والفُرْقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، مَن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، مَن سرَّته حسنته وساءته سيئتُه فذلكم المؤمن ) ) [1] .
قال الشيخ ابن عثيمين: (عوامُّ الناس تابعون لأهل الحل والعقد، فإذا تمت البيعة من أهل الحل والعقد صار المبايَع إمامًا، وصار وليَّ أمر تجب طاعته في غير معصية الله، فلو مات الإنسان وهو يعتقد أنه ليس له ولي أمر، وأنه ليست له بيعة، فإنه يموت ميتة جاهلية ) ) [2] .
بَيْدَ أن الإشكالية تثور حينما تتعدَّد الجماعات التي تدَّعي أنها على الحق، وعندئذٍ إما أن تتوحَّد أو تظهر الفُرْقة بينها، فعن أبي عامر الهَوْزني عن معاوية بن أبي سفيان أنه قام فينا، فقال: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا، فقال: (( ألا إن مَن قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتينِ وسبعين ملةً، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة ) ) [3] .
ومن هنا نشأ مصطلح أهل السنة والجماعة، فقد نشأ هذا المصطلح عندما ظهرت البدع في أواخر عهد الصحابة؛ كبدعة التشيع، والقدرية، والخوارج، وأول مَن أُثِر عنه هذا اللفظ الصحابي الجليل عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، ففي تفسير قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106] ، فقال: حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتَسْوَدُّ وجوه أهل البدعة والفُرْقة [4] .
قال ابن تيمية: (وهؤلاء الذين تفرَّقوا واختلفوا حتى صار عنهم من الكفر ما صار، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:(( لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ) ) [5] ، فهذا من الكفر، وإن كان المسلم لا
(1) رواه الترمذي 8 ص 69 رقم 2091، وصححه الألباني الجامع الصغير وزيادته ج 1 ص 432 رقم 4311.
(2) شرح رياض الصالحين ج 1 ص 712.
(3) رواه أبو داود ج 12 ص 196 رقم 3981، وصححه الألباني: السلسلة الصحيحة ج 1 ص 404 رقم 204.
(4) تفسير ابن كثير ج 2 ص 92.
(5) رواه البخاري ج 1 ص 205 رقم 118.