قال ابن حجر:(والذي يظهر أنهم الذين كانوا حينئذٍ رؤساء في اليهود، ومن عداهم كان تبعًا لهم، فلم يسلم منهم إلا القليل كعبدالله بن سلام، وكان من المشهورين بالرياسة في اليهود عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم:
ومن بني النَّضير: أبو ياسر بن أخطب، وأخوه حُيَي بن أخطب، وكعب بن الأشرف، ورافع بن أبي الحقيق.
ومن بني قينقاع: عبدالله بن حنيف، وفِنْحَاص، ورفاعة بن زيد.
ومن بني قريظة الزبير بن باطيا، وكعب بن أسد، وشمويل بن زيد، فهؤلاء لم يثبت إسلام أحد منهم، وكان كل منهم رئيسًا في اليهود، ولو أسلم لاتبعه جماعة منهم، فيحتمل أن يكونوا المراد) [1] .
وهو الأمر الذي يُؤكِّد أن هؤلاء الأحبار والزعماء هم عقبةُ وصولِ دعوة الإسلام لقومهم، ومن ثَمَّ شرع جهادهم لأجل أن يصل الإسلام إلى قومهم لتعنُّتهم في وصول الدعوة وصدهم عن سبيل الله، ولولا ذلك لما دعت الحاجة لجهادهم ما داموا مسالِمين محافظين لعهودهم مع المسلمين.
قال تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} [آل عمران: 111] ، وهو ما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في (أُحد) ، فلم يقدر المشركين أن يضرُّوا المسلمين في دعوتِهم بعد أُحد، وإن استطاعوا أن يقتلوا كثيرًا من المسلمين ويجرحوا أكثر وأكثر، إلا أن عزيمة المسلمين لم تهن ولم تضعف، امتثالًا لقول الله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] ، فإذا كان هذا قد حدث بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقد أقام دولة وجيشًا، أفلا يكون أولى بالضر مَن أسلم من أهل الكتاب وأضحى مؤمنًا.
يقول الشيخ الشعراوي:
(إذًا ماذا يفعل المؤمن منهم مع الفاسق؟ سيتربَّص الفاسقون - وهم الأكثرية في اليهودية والنصرانية - بالأقلية المؤمنة، ليوقعوا بهم الأذى والضرر، أي يا أيتها الأقلية التي آمنت من أهل الكتاب - مثل عبدالله بن سلام الذي أسلم وترك اليهودية - إيَّاكم أن تظنوا أن الأكثرية الفاسقة قادرة على إنزال العذاب بكم، فالحق سبحانه يُعلِن أن محاولة الأكثرية لإنزال الضرر بالأقلية التي آمنت منهم لن يتجاوز الأذى، إن الأذى هو الحدث الذي يؤلِم ساعة وقوعه ثم ينتهي، أما الضرر، فهو أذًى يؤلم وقت وقوعه، وتكون له آثار من بعد ذلك، ولننظر إلى ما حدث لبني قَيْنُقَاع، ولِمَا حدث لبني قُرَيظة، ولما حدث لبني النَّضِير، ولما حدث ليهود خَيْبر، هل ضرُّوا المؤمنين إلا أذى؟
(1) فتح الباري - لابن حجر ج 7 ص 275.