قال تعالى: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110] .
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ثلاثة يُؤتَون أجرَهم مرتين، الرجل تكون له الأَمَة فيعلمها، فيحسن تعليمها ويُؤدِّبها، فيحسن أدبها، ثم يعتقها فيتزوجها، فله أجران، ومؤمن أهل الكتاب الذي كان مؤمنًا، ثم آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم فله أجران، والعبد الذي يؤدي حق الله وينصح لسيده ) ) [1] .
والخيرية هنا من وجهين:
يقول الزمخشري: ( {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} ؛ لكان الإيمان خيرًا لهم مما هم عليه؛ لأنهم إنما آثَروا دينهم على دين الإسلام حبًّا للرياسة واستتباع العوام، ولو آمنوا لكان لهم من الرياسة والأتباع وحظوظ الدنيا ما هو خير مما آثروا دين الباطل لأجله، مع الفوز بما وعدوه على الإيمان من إيتاء الأجر مرتين) [2] .
ولا شك أن تمني دخول أهل الكتاب في الإسلام وحضهم على ذلك، تناسب مع ذكر خيرية هذه الأمة بخروجها في سبيل الله لأجل الدعوة الإسلامية، بإزالة أكبر منكر، والأمر بأكبر معروف، فتُزِيل الصادين عن سبيل الله الذين يبغونها عوجًا، وتدعو أهل الكتاب بأن يدخلوا في الإسلام أو يهادنوا المسلمين، ولذلك كان استخدام (لو) قاطع النفي لأن يكون الإسلام قد أجبرهم على الإيمان، وإنما هو محض اختيار حر لهم، ليتهم يختارونه، بَيْدَ أن أكثرهم فاسقون، فيمتنعون.
ولما كان (لو) حرف امتناع، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود ) ) [3] ، الأمر الذي ترتب عليه أن أكثرهم الفاسقون، وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم: (( لو تابعني عشرة من اليهود لم يبق على ظهرها يهودي إلا أسلم ) ) [4] .
والمعنى أنه لو تبِعه زعماؤهم وأحبارهم، قال المناوي: (والمراد عشرة مخصوصة ممن ذكر في سورة المائدة، وإلا فقد آمن به أكثر) [5] .
قال النووي: (قال صاحب التحرير: المراد عشرة من أحبارهم) [6] .
(1) رواه البخاري ج 10 ص 202 رقم 2789.
(2) الكشاف ج 1 ص 311.
(3) رواه البخاري ج 12 ص 331 رقم 3647.
(4) رواه مسلم ج 13 ص 382 رقم 5001.
(5) التيسير بشرح الجامع الصغير ج 2 ص 594.
(6) شرح النووي على مسلم ج 17 ص 136.