منهما نفهم معنى لي الألسنة، وما ترتب عليها من تزوير في تاريخ الأمة، وقلب الحقائق وتزييفها، والتعتيم على الحقائق والوقائع الصحيحة، وهو ما يسميه القرآن كذلك بتلبيس الحق بالباطل.
فعن واثِلَة بن الأسقع قال: كنتُ في أصحاب الصُّفَّة، فلقد رأيتنا وما هنا إنسان عليه ثوب تام، وأخذ العرق في جلودنا طرفًا من الغبار والوسخ؛ إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ليبشر فقراء المهاجرين؛ إذ أقبل رجل عليه شارة حسنة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يتكلم بكلام إلا كلفته نفسه يأتي بكلام يعلو كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف قال: إن الله لا يحب هذا وصوته، يلوون ألسنتهم للناس لَيَّ البقرة لسانها بالمرعى كذلك يلوي الله ألسنتهم ووجوههم في النار [1] .
قال السيوطي فيمن يتلون كتاب الله ليًّا؛ أي: يُحرِّفون معانيه وتأويله [2] .
وقال الشعراوي: و"اللي"هو الفتل، فنحن عندما نفتل حبلًا، ونحاول أن نجدل بين فرعين اثنين من الخيوط، نفتلهما معًا لنصنع حبلًا، والهدف من الفتل هو أن نضع قوَّة من شعيرات الخيوط، فهذه الشعيرات لها قوة محدودة، وعندما نفتل هذه الخيوط، فإننا نزيد من قوة الخيوط بجدلها معا، إذن فالفتل المراد به الوصول إلى قوة، وهكذا نرى أنهم يَلْوُون ألسنتهم بكلام يدَّعون أنه من المنهج المنَزَّل من عند الله، وهذا الكلام ليس من المنهج، ولم ينزل من عند الله إنهم يفعلون ذلك لتقوية مركزهم، والتنقيص من مكانة الإسلام، والطعن في الرسول [3] ، فهم يعمَدون في تحريف الكتاب ولَي ألسنتهم به، وتزييف الحقائق، وتزوير التاريخ إلى ثلاثة أمور رئيسية؛ تتمثل فيما يلي:
فتصوير الإله بأنه يتجسَّد في بشر ويصلب، فيه امتهان للذات الإلهية، ويهدم اعتماد قلب العبد على الله، ليتخذ كل الأسباب غير التوكل على الله، فيكون منهكًا بالاعتماد عليها، لاعتقاده أن الإله لا يملك لنفسه دَرْء الضر، ولا دفع الأذى، لم لا وهم يعتقدون أنه قد صُلب؛ ففي غلاطية 20:2"معَ المسيح صلبتُ، فأحيا لا أنا، بلِ المسيحُ يحيا فيَّ، فما أحياهُ الآن في الجسدِ، فإنما أحياه في الإيمانِ، إيمانِ ابنِ اللهِ، الذي أحبَّني وأسلم نفسَه لأجلي"، هذا من جهة.
(1) المعجم الكبير للطبراني ج 22 ص 70 رقم 1821، وصححه الألباني: السلسلة الصحيحة المجلدات الكاملة ج 15 ص 2 رقم 3426.
(2) شرح النووي على مسلم ج 7 ص 164 - جلال الدين السيوطي: الديباج على مسلم ج 3 ص 147.
(3) تفسير الشعراوي ج 1 ص 1038.