المطلب الأول
صفات المرابطين في سبيل الله
الآيات: من (100 - 112) :
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ... } ، و {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [آل عمران: 110 - 112] .
ولا شك أن الأمر بيِّن الجلاء، فالعَلاقة بين أول آية في هذا المقطع من السورة وآخر آية من ذات المقطع - الآيتان (100) ، (112) - تؤكِّد أن تحقق عقيدة البراء من الذين كفروا، وإن كان يؤدي إلى الأذى للذين آمنوا، وقتل أنبيائهم وصالحيهم، فإنهم سوف تؤول في النهاية إلى الذلة والمسكنة للذين كفروا، وتكون يد الله هي العليا ويد الذين كفروا هي السفلى.
عن ابن عباس: (( أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله ) ) [1] .
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: مَن أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما ينال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبدٌ طعمَ الإيمان، وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئًا [2] .
ولكي نحصل على النتيجة من هذه المقدمة، فلا بد من مراعاة أمور سوف نذكرها بالتفصيل على النحو التالي:
أولًا: إعلان استقلال إرادة الأمة المسلمة في شؤونها الداخلية:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [آل عمران: 100] ، فمطلق طاعتهم أو مجرد الطاعة، هو بابٌ من أبواب الردة عن الإيمان إلى الكفر، ومن ثم الانقلاب على الأعقاب، قال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116] ؛ ذلك أن الكافرين لا يأمرون المسلمين بالارتداد عن دينهم، كما لا يأمرونهم بالثبات عليه، وإنما يأمرونهم بأن يتخفَّفوا من دينهم، ومَن يكون في دينه خفة فهو مؤهل لأن ينقلب على عقبِه، بخلاف مَن لا يهادنهم ولا يطاوعهم ولا يسلِّم أمره إليهم، فهو شديد في حفظ دينه، غليظ على
(1) جمع الجوامع، أو الجامع الكبير للسيوطي ج 1 ص 9859، أخرجه الطبراني عن ابن عباس 11 ص 215 رقم 11537، وصححه الألباني: الجامع الصغير ج 1 ص 431 رقم 4304 - السلسلة الصحيحة ج 3 ص 72 رقم 998.
(2) ابن رجب الحنبلي: جامع العلوم والحكم ج 1 ص 34.