فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 177

قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ [المائدة: 52] ،

لذا كان التحذير القرآني لمن يقوم بهذه الأفعال شديد، يقول سبحانه: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28] .

ويكفي من تحذير القرآن لهم أن ساوى وصفَهم بمن يوالونهم، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] .

ولَمَّا كانت هذه العَلاقة الباطنية لا يعلمها إلا الله، قال سبحانه: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [آل عمران: 29] .

وتُزيَّل الآية بقوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، ففيه تهديد شديد.

يقول البيضاوي: (فيقدر على عقوبتكم إن لم تنتهوا عما نهيتم عنه) [1] .

وهذه العَلاقة الباطنية يكشفها الله تعالى يوم القيامة لأهلها في صورة سوء، وعندئذٍ يودُّون لو لم تكن بينهم وبين مَن كانوا يوالونهم كل هذه المودة والقرب، يقول سبحانه: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 30] ، ليختتم تزييل الآية بقوله تعالى: {وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} ، أن يأتي تحذيره سبحانه للجماعة المؤمنة من باب الرأفة بهم أن يقَعوا في مثل هذا الظلم الكبير، قال الحسن: ومن رأفتِه بهم أن حذَّرهم نفسه [2] .

ثامنًا: اتباع منهج الإسلام عن حبٍّ لله هو العاصم من الانقلاب على الأعقاب:

يقول سبحانه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 31، 32] .

يجب على أهل الإيمان أن يثبتوا للناس أنهم على الحق من خلال التطبيق العملي بالفهم الصحيح لهذا الدين، وليس اكتفاءً بإطلاق شعار محبتهم لله ولرسوله دون ترجمة عملية لهذا الحب، فإن كانت ألسنتهم تلهجُ بأن لا إله إلا الله، وقلوبهم انشرحت بالإسلام، فأين سائر جوارحهم التي تؤكد ما لهج به اللسان وانشرح به القلب؟ فالحب اتباع، فهو اتباع للمنهج، ولمن ساروا على هذا المنهج، وليس اتباعًا لأشخاص إلا لأجل فهمِهم للمنهج وتطبيقهم له التطبيق الصحيح، قال تعالى: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}

(1) أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي، الآية 29 آل عمران، ج 1 ص 336.

(2) التفسير الكبير ومفاتيح الغيب - للرازي ج 4 ص 174.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت