المطلب الثالث
منهج المرابطين على كلمة (لا إله إلا الله)
الآيات من (18) إلى (32) : قوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ... فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} .
فإذا علمنا أن طريق الرسل في الدعوة إلى الله تعالى شاقٌّ، فعلينا أن نعلم أن أول مَن يقطع هذا الطريق مع الرسل هم أولو العلم، الذين يأمرون الناس بالقسط، وأن هؤلاء لا بد وأن يثبتوا على منهجية (لا إله إلا اله) قولًا وعملًا ودعوةً؛ لأن الكافرين سوف يحاجُّونهم، وعندئذٍ لا بد وأن يعلنوا إسلامهم لهم بوضوح، فيكون في هذا الإعلان والظهور لشعائر الله أمامهم خيرَ وسيلة لدعوتهم إلى الإسلام، وسوف يتولون عنهم، وعندئذٍ لا بد وأن يتموا لهم البلاغ لهذا الدين بالرغم من هذا التولي والإعراض، فالبلاغ هو الحد الأدنى للتكليف الدعوي، ولا بد فيه من بيان، ولا بد فيه - كذلك - من حركة وسعي حتى يصل الدعاة إلى مَن يبلغونهم عن ربهم هذا الدين، وعندئذٍ، وحال تحرك الدعاة في سبيل الله، فإنه سوف يواجِههم مَن ينقلبون عليهم من أصحاب الأهواء والقلوب الزائغة، ليصدوهم عن سبيل الله، بل ولسوف يقتلونهم كما قتلوا الأنبياء من قبلهم ومَن تبِعهم من الدعاة والمصلحين، لا لشيء إلا لرغبة جامحة في المُلْك والعزة، بالرغم من علمِهم أن النار سوف تمسُّهم، ولكن ما هم فيه من الرعونة في أمر الدين هو الذي حملهم على فعل ذلك؛ إذ يجدر التنويه إلى أن بني إسرائيل كانت تسوسهم أنبياؤهم، فكلما هلك نبي خلفه نبي بعده، فلا يمكن لأصحاب القلوب الزائغة الخلاص من هذا النبي إلا بالانقلاب عليه دون الاكتفاء بتكذيبه؛ حيث يسلبون منه السياسة بقتله وقتل مَن معه من مناصريه، ولذلك يقر الله حقيقةً قرآنية، ألا وهي أن المُلْك بيد الله يؤتيه مَن يشاء من عباده وينزعه عمَّن يشاء من عباده، فالملك والعزة ليسا معيارًا لحسم الصراع بين الحق أو الباطل، وليسا شرطًا لاستمرار هذا الدين ولتتوارثه الأجيال، وإن كان شرطًا لازمًا للتمكين وإقامة حدود الله تعالى، ومن ثَمَّ لا بد وأن يكون ثَمَّة فصل بين المرابطين في سبيل الله والزائغة قلوبهم، الأمر الذي يَحُول دون انقلاب المنافقين عليهم والمفسدين، وأن اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياءَ من دون المؤمنين هو أول علامات أن يكون هذا الانقلاب وشيكًا، والله وحده هو الذي يعلم ما في الصدور، والعاصم من كل ذلك هو اتباع منهج الإسلام عن حب لله تعالى، بكمال السمع والطاعة لله تعالى ورسوله، وكمال البغض للكافرين وأفعال الكافرين.