فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 177

ولأن الخروج في سبيل الله لطلب الجهاد من الأمور التي تتطلب صدقًا وتوكلًا على الله تعالى، ومن الأعمال القلبية التي لا يعلمها إلا الله تعالى، قال تعالى: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} .

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( تكفل الله لمن جاهد في سبيله، لا يُخرِجه إلا الجهادُ في سبيله وتصديق كلماته، بأن يُدخِله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة ) ) [1] .

إذًا لا بد من تطويع الدنيا - لا التجرد منها بالكلية - وذلك بتذكر الآخرة كمحفز للزهد عنها، مع دوام الصلة بالله تعالى، ليكون حال المرابطين مع ربهم بين الصبر على البلاء، والدوام على الطاعات، والصدق في البلاغ والبيان، والإنفاق في سبيل الله، والقنوت في الدعاء والتهجد، والاستغفار بالأسحار.

نخرج من ذلك بمفهومٍ أوسع عن الرباط في سبيل الله، وأنه ليس قاصرًا على إعداد العُدَّة للجهاد دون إعداد المجاهد لذلك تربويًّا، وإنما يمتدُّ مفهوم الرباط كذلك ليشمل مَن احتفظ بنية الجهاد في سبيل الله في صدره، وظل مثابرًا على ثغور الإسلام، ولو لم يَحِنْ بعدُ وقت الجهاد، وهو الأمر الذي يربط العبادات بالجهاد، فكأن المرابطة بالحفاظ على أوقات الصلوات والانتظام في صفوف المصلين، هو نوع من الرباط في سبيل الله تعالى في أوقات السلم والاستعداد للجهاد، باعتبار أن الصلاة من أظهر الأمور التي يجتمع فيها المسلمون، وينتظمون وينضبطون فيها تمامًا مثل انضباط الجند في الميدان، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( ألا أدلُّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ ) )، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (( إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط ) ) [2] .

وحتى يتضح المعنى لا بد من الأخذ في الاعتبار أن هذا المفهوم عن الرباط - وقت السلم - يُؤكِّده ويدلل عليه ما يضمره المؤمن في قلبه من نية الجهاد في سبيل الله تعالى، لقوله صلى الله عليه وسلم: (( مَن مات ولم يغزُ ولم يُحدِّث به نفسه مات على شعبة من نفاق ) ) [3] ، فكأن حديث النفس بالغزو - وقت السلم - المقترن بالثبات على الصلوات في المساجد، هو ما يحقق في العبد صفة المرابط في سبيل الله تعالى، الأمر الذي يقويه حتى يلبي النداء ويكون أسرع في الاستجابة لله ورسوله وقت الجهاد بالمال والنفس، ويتحقق فيه عين الجهاد في سبيل الله.

(1) رواه البخاري، ج 10 ص 366، رقم 2891.

(2) رواه مسلم ج 2 ص 57 رقم 369.

(3) رواه مسلم ج 10 ص 19 رقم 3533.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت