فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 177

لينفقوها في سبيل الله تعالى، وكذلك يتحركون في الأرض بدعوة الإسلام فيطلبون المركب لأجل ذلك، ويطعمون الطعام في سبيل الله، ويجمعون لذلك الأنعام، كما أن حرثهم في الأرض هو ضربٌ من نية الخير الذي ينويها المرابط في سبيل الله تعالى ليحقق الخير والنماء لمجتمعه، فعندئذٍ - وعندئذٍ فحسب - يصير تمتُّعهم بالدنيا، هو في الحقيقة، سعيًا لطلب الآخرة، وسعيًا إلي ما فيه خير من الوقوف عند لحظة التمتع الدنيوي ليمتد إلى الخلد في النعيم المقيم في الدار الآخرة.

فالسورة تصرف المؤمنين عن طلب الدنيا، وتحثهم على طلب ما هو خير منها، تلك الجنة التي أعدها الله لهم إذا ما حصَّلوا شرائطَها من الإيمان المقترن بالجهاد في سبيل الله تعالى، باعتبار أن الدنيا من أكبر المعوِّقات في طريق الدعوة والجهاد في سبيل الله تعالى.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: تُسلِم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك، فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: تُهاجِر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مَثَل المهاجر كمَثَل الفرس في الطول، فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد، فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتقتل، فتُنكح المرأة، ويُقسم المال، فعصاه فجاهد ) )، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( فمَن فعل ذلك كان حقًّا على الله عز وجل أن يُدخِله الجنة، ومَن قتل كان حقًّا على الله عز وجل أن يُدخِله الجنة، وإن غرق كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، أو وَقَصته دابَّته كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة ) ) [1] .

والقرآن أشار إلى هذا النعيم المقيم في ثلاثة أمور من جنس متاع الحياة الدنيا؛ الجنات، والأزواج، والرضوان من الله تعالى.

قال الشعراوي:

"هذه الجنات، وهي تقابلٍ في الدنيا الحرث والزرع ... ، والحق حين تكلَّم عن الزرع تكلم واصفًا له بالحرث، لنعرف أن الزرع يتطلب منا حركة وعملًا، أما ما في الآخرة، فالجنات جاهزة لا تتطلب من المؤمن حركة أو تعبًا، ولا يقف الأمر عند ذلك، بل إن هذه الجنات تجري من تحتها الأنهار، فأغنت هذه الجنات عن البنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسمومة، والأنعام، والحرث، ولذلك أردفها القرآن الكريم بذكر الأزواج المطهرة حتى تقابل النساء من متاع الدنيا، ووصفها مطهرة، واختتم الخيرية بذكر رضوان الله تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ} ، وهو خير من ذلك كله، لقوله تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72] ."

(1) رواه النسائي ج 10 ص 193 رقم 3083، وصححه الألباني، السلسلة الصحيحة ج 7 ص 180 رقم 2979.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت