فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 177

الحادي عشر: الجاسوس والخائن لا لعلة البلادة أوالبلاهة أو ضعف المسؤولية وقلة الحيلة:

عن ابن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم عينٌ من المشركين وهو في سفر، فجلس عند أصحابه، ثم انسل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( اطلبوه فاقتلوه ) )، قال: فسبقتهم إليه فقتلته، وأخذت سلبه فنفَّلني إياه [1] .

فقتل المرتد في هذه الحالة درء للمفسدة، ولئلا يكون جسوسًا على الأمة، ويعد بمثابة إجراء احترازي اقتضته مصلحة الأمة، كما هو الحال في شأن الجاسوس، وليس الحال كذلك على إطلاقه؛ إذ يتعين أن يتبين من الظروف والقرائن أن الجاسوس كان ينوي خيانة الإسلام والمسلمين حتى يجوز قتله حدًّا.

أما إذا كان الجاسوس لا ينوي خيانة، إنما تصرف بحماقة، أو نظرًا لخوفه، ففي تلك الأحوال تنتفي عنه نية الخيانة، فتكون عقوبته تعزيرية، وقد يعفى عنه بحسب الأحوال، عملًا بنظرية التفريد العقابي [2] ، التي أقرها الإسلام بالنسبة لبعض الجرائم [3] ، كما أقرها في بعض الظروف [4] ، ودليل ذلك ما ثبت في السنة الفعلية في حديث حاطب بن أبي بلتعة، وحديث فرات بن حيان، فعن فرات بن حيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتله، وكان عينًا لأبي سفيان، وكان حليفًا لرجل من الأنصار، فمرَّ بحلقة من الأنصار، فقال: إني مسلم، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، إنه يقول إنى مسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن منكم رجالًا نكلهم إلى إيمانهم منهم فرات بن حيان ) ) [5] .

وعن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد بن الأسود، قال: (( انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة ومعها كتاب، فخذوه منها ) )، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا حاطب، ما هذا؟ ) )، قال: يا رسول الله، لا تعجل عليَّ إني كنت امرأً ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان مَن معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم

(1) رواه أبي داود ج 7 ص 249 رقم 2281 وصححه الألباني: صحيح أبي داود ج 7 ص 405 رقم 2383.

(2) د/عبد الرحيم صدقي - الغرض المعاصر للعقوبة ص 160.

(3) قال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 34] .

(4) فشدد عقوبة الزنا للمحصن لتصل إلى الرجم، وخفَّفها لغير المحصن لتصل إلى مائة جلدة، وخففها للأَمَة فجعلها النصف.

(5) رواه أبو داود ج 7 ص 247 رقم 2280، وصححه الألباني: صحيح أبي داود ج 7 ص 404 رقم 2382.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت