فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 177

لكن لَمَّا ألح عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه بايعه مع الكراهة، لا لشيء إلا لإجارة عثمان له، قال ابن الأثير: (وأسلم ذلك اليوم، فحسن إسلامه، ولم يظهر منه بعد ذلك ما ينكر عليه) [1] .

قال ابن تيمية: (لَمَّا تمكن النبي صلى الله عليه وسلم من ابن أبي سرح أهدر دمه لما طعن في النبوة وافترى عليه الكذب، مع أن السنة في المرتد أنه لا يقتل حتى يستتاب إما وجوبًا أو استحبابًا، وفي ذلك دليل على أن جرم الطاعن على الرسول الله صلى الله عليه وسلم، الساب له، أعظم من جرم المرتد، ثم إن إباحة النبي صلى الله عليه وسلم دمه بعد مجيئه تائبًا مسلمًا، وقوله:(( هلا قتلتموه ) )، ثم عفوه عنه بعد ذلك، دليلٌ على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتله، وأن يعفو عنه ويعصم دمه، وهو دليل على أن له صلى الله عليه وسلم أن يقتل مَن سبه وإن تاب وعاد إلى الإسلام؛ منها: أنه قد روي عن عكرمة أن ابن أبي سرح رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة، وكذلك ذكر آخرون أن ابن أبي سرح رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة؛ إذ نزل النبي صلى الله عليه وسلم بها وقد تقدَّم عنه أنه قال لعثمان قبل أن يقدم به على النبي صلى الله عليه وسلم:"إن جرمي أعظم الجرم، وقد جئت تائبًا، وتوبة المرتد إسلامه، ثم إنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفتح وهدوء الناس، وبعدما تاب فأراد النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين أن يقتلوه حينئذٍ، وتربص زمانًا ينتظر فيه قتله، ويظن أن بعضهم سيقتله، وهذا دليل واضح على جواز قتله بعد إسلامه، وكذلك لما قال له عثمان: إنه يفر منك كلما رآك قال: (( ألم أبايعه وأؤمنه؟ ) )، قال: بلى، ولكنه يتذكر عظيم جرمه في الإسلام، فقال: (( الإسلام يَجُبُّ ما قبله ) )، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن خوف القتل سقط بالبيعة والأمان، وأن الإثم زال بالإسلام، فعُلِم أن الساب إذا عاد إلى الإسلام جبَّ الإسلام إثم السب، وبقي قتله جائزًا حتى يوجد إسقاط القتل ممن يملكه إن كان ممكنًا، وفي كتمان الصحابة لابن أبي سرح ولإحدى القينتينِ دليلٌ على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُوجِب قتلهم، وإنما أباحه مع جواز عفوه عنهم، وفي ذلك دليل على أنه كان مخيرًا بين القتل والعفو) [2] ."

خامسًا: الردة بسبب الهجرة لبلاد الكفر:

كان عبيدالله بن جحش هاجر بأمِّ حبيبة معه إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، فتنصر وارتد عن الإسلام، وتُوفِّي بأرض الحبشة، وثبتت أم حبيبة على دينها الإسلام وهجرتها، وكانت قد خرجت بابنتها حبيبة بنت عبيدالله معها في الهجرة إلى أرض الحبشة، ورجعت بها معها إلى مكة [3] ، وهؤلاء لا تُطبَّق عليهم الحدود

(1) أسد الغابة في معرفة الصحابة ج 1 ص 617.

(2) الصارم المسلول ج 1 ص 124.

(3) محمد بن جرير الطبري: المنتخب في ذيل المذيل ج 1 ص 97، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت