المحور الثاني
مدارسة لقصة آل عمران كنموذج للمرابطين في سبيل الله تعالى من عباد الله المصطفين
الآيات من (33 - 60)
المطلب الأول
الاصطفاء والتوريث علة فاعلة لاستمرار هذا الدين
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ... قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [آل عمران: 33 - 41] .
علِمنا من سورة البقرة أن الله اصطفى لنا الدين في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} [البقرة: 132] .
قال الألوسي: (أي جعل لكم الدين الذي هو صفوة الأديان، بأن شرعه لكم ووفقكم للأخذ به، والمراد به دين الإسلام الذي به الإخلاص لله تعالى والانقياد له، والدين صفوة في نفسه، وليس عند الله تعالى غيره) ، فكان لا بد كذلك أن يصطفي الله تعالى من خلقه أفضل ما يحمل أمانة هذا الدين، قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75] ، وكذلك الأنبياء يصطفي الله لهم خير العباد لنصرتهم وتأييدهم، وهم الحواريون، فعن جابر يقول قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: (( مَن يأتينا بخبر القوم؟ ) )، فقال الزبير: أنا، ثم قال: (( مَن يأتينا بخبر القوم؟ ) )، فقال الزبير: أنا، ثم قال: (( مَن يأتينا بخبر القوم؟ ) )، فقال الزبير: أنا، ثم قال: (( إن لكل نبي حواري وإن حواري الزبير ) ) [1] .
ولكي تؤكد السورة هذا المعنى، فإنها استطردت في حكاية قصة آل عمران بعد إشارتها إلى اصطفاء آدم ونوح، واصطفاء آل إبراهيم وآل عمران على العالمين، وقد فصلت سورة البقرة كيفية اصطفاء الله تعالى لنبي الله آدم عليه السلام، واصطفاء الله تعالى لنبي الله إبراهيم عليه السلام وآله على العالمين، ولم يبقَ إلا أن يتناول الحديث عن اصطفاء الله تعالى لنوح وآل عمران، مع الأخذ في الاعتبار أن الأدلة من السنة شاهدةٌ على اصطفاء الله تعالى لغيرهم، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( احتجَّ آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجَتْك خطيئتُك من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، ثم تلومني على أمر قدر عليَّ قبل أن أخلق؟ ) )، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( فحج آدم موسى مرتين ) ) [2] .
(1) رواه البخاري ج 13 ص 17 رقم 3804.
(2) رواه البخاري ج 11 ص 213 رقم 3157.