لكن عند التأمل وشيء من التدبر نجدُ أن اصطفاء الله تعالى لآدم ونوحٍ جاء لأجل الاستخلاف في الأرض، فآدم قد خُلق لأجل ذلك، فكان أول المؤمنين في الخليقة، ونوح هو أول المؤمنين بعد الطوفان، وعند التأمل في آل إبراهيم وآل عمران، نجد أن ظروف اصطفائهما تشتركان في شدة الاضطهاد الديني الذي أحاط بهما، فإبراهيم عليه السلام لم يسلَم من قومه حتى ألقَوْه في النار، وآل عمران لم يسلَم زكريا أو يحيى بل قتلا غدرًا، فكانا آخر مَن قتلا من الأنبياء، وأما عيسى ابن مريم، فقد نجا من القتل كما نجا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعودٌ إلى ما نحن فيه، فإن نصيب آل عمران في هذه السورة واضح باعتبار أن جهاد عمران وآله في سبيل الله يضربُ أروع الأمثلة في التدليل على أن توريث هذا الدين لا يقل أهمية عن حفظه بالرسوخ في العلم والجهاد في سبيل الله؛ حيث تستكمل امرأة عمران مسيرةَ زوجها، وتَهَبُ ما في بطنها وتنذره ليدعو ويجاهد في سبيل الله؛ {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [آل عمران: 35] ، ولا يقتصر التوريث على مجرد استقراء الكتاب أو مدارسته، ولا الإيمان بالمعجزات فحسب، وإنما لا بد من التربية والمحاكاة حتى يتحقق التوريث دون تحريف أو تبديل، ولا بد وأن تتحقق هذه التربية في إطار المجتمع المؤمن، سواء تمثل في الأسرة الصغيرة أو في المجتمع الكبير، وأول شرط لنجاح توريث هذه الأمانة التجردُ من حظوظ النفس في الولد، ليكون كله لله، وبذلك تتجدد نية المرابطين في أشد المواقف العملية اختبارًا، وأصعب الاختبارات ابتلاءً، فلا يبخل المرابط ولا المرابطة أن يضع نطفته ولا أن تلد رضيعها في سبيل الله، فلا يكون ثَمَّة سبيل إلا سلكه المرابطون في سبيل الله لتوريث هذا الدين، وعندئذٍ يحق لهم الاعتذار لله، {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} [آل عمران: 36] ، بَيْدَ أن الاعتذار لا يقف عند مجرد تجديد النية فحسب وتصحيحها لله، وإنما لا بد وأن يتعهَّد المرابطون ذرِّيتَهم بالتربية ويعيذوها بالله تعالى من الشيطان الرجيم، وليعلموا وليوقنوا أن الله تعالى هو الذي تكفَّل بحفظ المرابطين ورزقهم، فمن يتَّقِ الله يرزُقْه من حيث لا يحتسب؛ حيث كلما استحرَّ القتل بالأنبياء اشتد دعاء الأنبياء لأن يرث عنهم الدينَ أولادُهم، باعتبارهم الأقرب إليهم من غيرهم عندما يشتد البلاء بهم، كما كان ذلك هو حال زكريا عليه السلام: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم: 5، 6] .
وكذلك انضمَّت مريم عليها السلام إلى صفوفِ المرابطين بما يتناسب مع طبيعتها كأنثى، فرابطت في المحراب على الدعاء والعبادة، فإن كان الرجال يجاهدون في ميادين القتال ويرابطون في المساجد، فإن النساء يرابطن في المحراب ويُهيِّئن أولادهن ليصبحوا رجالًا في المستقبل.