فعن مصعب بن سعد قال: رأى سعد رضي الله عنه أن له فضلًا على مَن دونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( هل تُنصَرون وتُرزَقون إلا بضعفائكم ) ) [1] ؛ أي: ليس النصر وإدرار الرزق إلا ببركتهم، فأبرزه في صورة الاستفهام لمزيد التقرير؛ وذلك لأنهم أعظم إخلاصًا في الدعاء، وأكثر خضوعًا في العبادة؛ ولأن عبادة الضعفاء أشد إخلاصًا لخلوِّ قلوبهم عن التعلق بالدنيا، وذلك من أعظم أسباب الرزق والنصر [2] ، ولذلك اشتهر عند السلف مقالة: (لولا شيوخ رُكَّع، وشباب خُشَّع، وأطفال رُضَّع، وبهائم رُتَّع، لصُبَّ عليكم العذاب صبًّا) [3] .
وفيه تنبيهٌ على أن مَن انقطع إلى الله، واكتفى بتدبيره عن تدبير نفسه، وسكن تحت جَرْي مقاديرِه، كفاه مهماته [4] ، ومن ثَمَّ آتاها رزقها من حيث لم تحتسب، فتمنَّى زكريا أن يكون من ذريته ولدٌ يُكمِل مسيرته في نشر هذا الدين وتعليمه للناس، رغم أن الأسباب ضعُفت عن فعلِ ذلك لكبره وامرأته أضحت عاقرًا، لكنه لثقته في نصر الله سأل الله تعالى، وأنه قادر على تفعيل الأسباب، وإن ضعُفت الأسباب الكونية عن تأييد هذا الدين، فإن الله تعالى لا يستعصي عليه شيء، وإنما يفعل ما يشاء فيُفعِّل الأسبابَ الضعيفة لتقوى على نصرةِ الحق وأهله، وعند اقتراب النصر يُبشِّر الله به المؤمنين، حتى يظل ثباتهم على الحق قائمًا لا يتزعزع، وثقتهم في النصر لا تهتز، وهذا من باب تخفيف البلاء على المسلمين، ليظل اليقين ثابتًا، والتوكل بالله وصولًا.
والإنسان شأنه العجلة دائمًا، لم لا وقد خُلِق عجولًا، فليس من المستغرب أن يعجَل آدم عليه السلام ليأكل من الشجرة، أو أن يعجَل موسى عليه السلام بسؤال الخضر وإعادة السؤال عليه، وكذلك أن يعجل زكريا في معرفة أول علامات الحمل بولد يرثُ عنه الدين، وله أن يعجَل وقد انقطع دم الحيض عن امرأته؛ لأنها عاقرٌ لا تلد، وهو في عجلةٍ من أمره أن يُورِّث الدينَ قبل أن يلقى الله تعالى، وقد تنكَّب بنو إسرائيل عن حمل هذه الأمانة.
قال العلماء: إنه (لَمَّا استعجل زكريا الأمرَ، وأراد أن يحصل له كمال الطمأنينة، طلب الآية من ربه، فكانت آيتُه ألاَّ يُكلِّم الناس ثلاث ليالٍ من غير سوء إلا رمزًا، فيقدر على الإشارة ولا يقدر على الكلام) [5] .
(1) رواه البخاري ج 10 ص 25 رقم 2681.
(2) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج 2 ص 927.
(3) البيهقي في سننه الكبرى ج 3 ص 345 رقم 6183 - الطبراني في المعجم الأوسط ج 7 ص 134 رقم 7085.
(4) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج 1 ص 348.
(5) تفسير الطبري ج 6 ص 386 - تفسير السعدي ج 1 ص 129.