فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 177

فالله تعالى لا يريد منه أن يكثر من الاندهاش والتعجب، وليكف عن الحديث عن هذه المعجزة، ويشغل نفسه بما هو أولى من الحديث مع الناس في هذه المسألة.

ولا شك أنه لو فتح باب الحديث عن هذه البشرى بمولود جديد لاستغرق مجالس الناس وكثر تداول الخبر بينهم، بل إن البشارة بهذا المولود حال اليأس من المحيض وكبر السن واستيئاس الرسل في الدعوة، لهو أدعى إلى الاستغراق في الحديث والانشغال بذلك الموضوع عن ذكر الله تعالى، والله تعالى يريد أن يعامل أنبياءه بما لا يشغلهم عن ذكره، ولنا في نبي الله سليمان أسوةٌ حسنة لَمَّا عاقب نفسه عندما انشغل بعرض الجِياد عن أذكار المساء، قال تعالى مخبرًا عن قول سليمان: {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} [ص: 32، 33] ، ومن ثَمَّ كان تعطيل لسان زكريا عن الكلام ثلاثةَ أيامٍ فيه من الحِكَم ما لا يخفى.

قال السعدي: (فكما يمنع نفوذ الأسباب مع وجودها، فإنه يُوجِدها بدون أسبابها، ليدل ذلك أن الأسباب كلها مندرجة في قضائه وقدره) [1] .

فأمر الله تعالى بحبس لسانه عن أمور الدنيا، أما الذكر والتسبيح، فقد كان لسانه جيدًا، وهذا من المعجزات الباهرة [2] ، فإذا ضعُفت الأسباب عن تحقيق النصر ولم تضعف الثقة في الله، وظهرت بشريات النصر، فلا بد من التزام الذكر حتى يضحي آيةً للمرابطين: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [آل عمران: 41] ، لِمَ لا وقد شُرِع الذكر في موطن ملاقاة العدو، بل هو من أسباب النصر، ليكون انشغال القلب بالذكر أولى من انشغاله بمدافعة العدو، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45] ، ليكون القلب معلقًا بالله، وتكون سائر الجوارح آخذة بالأسباب في طاعة الله، {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46] .

ولعل هذه الأحداث وتأييد الله تعالى لزكريا بهذه المعجزة، إنما هو تمهيد للمعجزة الكبرى، وتهيئة الناس لاستقبالها، وقد استقبلت عقولهم أن يولد طفل رضيع من امرأة عاقر وشيخ كبير، فتكون أقرب لقَبول ولادة مريم لعيسى عليه السلام بلا أبٍ، ولتتقبل معجزة أن ينطقَ وهو في المهد، وما بُشِّر به من أنه سوف يكون نبيًّا لهذه الأمة، فيكون ذلك كله داعيًا لأن يستبشر المؤمنون بقرب النصر بعدما استحرَّ القتل بالأنبياء حتى طال زكريا صاحب المعجزة الأولى ويحيى عليهما السلام.

(1) تفسير السعدي ج 1 ص 129.

(2) تفسير حقي ج 2 ص 175.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت